تعديل قانون المسطرة الجنائية..ماذا بعد؟!

أرسل مشروع قانون المسطرة الجنائية الذي أدخل تعديلات على قانون المسطرة الجنائية الحالي من طرف الأمين العام للحكومة، إلى الوزراء والوزراء المنتدبين، وذلك تمهيدا لعرضه على مجلس الحكومة.
والملاحظ أن هذا الإرسال، تم مباشرة بعد مصادقة مجلس النواب على مشروع قانون المسطرة المدنية بالرغم مما رافق هذه المناقشة من معارضة قوية على عدة بنود فيه من طرف كثير من الحقوقيين وقطاع المحامين.
لكن، وحتى بعد الجدل القوي الذي رافق مناقشة مشروع قانون المسطرة المدنية، والطريقة التي تم بها تمريره في مجلس النواب، يتأكد أن الدور اللاحق الآن هو، لتعديل قانون المسطرة الجنائية، وكأن هناك سباق مع الزمن، لتمرير قوانين بعينها، وهي قوانين إجرائية ستستمر تبعاتها ولعدة سنوات قادمة، على الأمن القضائي للمغاربة.
وبما أننا سنواجه قريبا بمشروع قانوني إجرائي جديد هو قانون المسطرة الجنائية، سيتم إقراره بسرعة فائقة من طرف مجلس النواب، فلابد من التذكير أن هذا القانون ليس كالقوانين الأخرى، بل ستكون له تداعيات على حقوق الأفراد، وكذا على نوع الوسائل القانونية المتاحة لمحاولة درء أي تعسف.
وبالرجوع للقانون الحالي للمسطرة الجنائية، الذي صدر في 03/10/2002، أي في ظل حكومة التناوب للمرحوم عبد الرحمان اليوسفي، واعتبر أنه علامة لقطيعة مع مرحلة، تميز فيها الوضع بالمغرب بالعنف المطلق للدولة وأجهزتها التي كانت تمارس كل أصناف التعذيب والتنكيل خارج دائرة القانون، وبدون رقيب ولا عقاب، سنطلع من خلال ديباجة قانون المسطرة الجنائية لسنة 2002، أن الغاية من التعديلات التي أدخلت على هذا القانون هو “توفير المحاكمة العادلة وفقا للنمط المتعارف عليه عالميا و احترام حقوق الأفراد و صون حرياتهم من جهة … مع تلافي كل السلبيات التي أفرزتها تجرية الأربعين سنة الأخيرة من الممارسة”.
كما تضيف نفس الديباجة، أن القانون الجديد للمسطرة الجنائية جاء ” لدعم المكتسبات التي حققها التشريع الوطني في مجال حقوق الإنسان بمقتضى التعديلات التي أدخلت على قانون المسطرة الجنائية خلال التسعينات سواء فيما يتعلق بمدة الحراسة النظرية أو توفير حق الدفاع للمتهمين … إلخ”
ومن الأهداف الكبرى التي سعى إليها أيضا قانون المسطرة الجنائية الحالي، هو تحقيق شروط المحاكمة العادلة وإعادة صياغة مواد المسطرة الجنائية في هذا الاتجاه.
والآن وبعد مرور اثني وعشرون سنة على سن قانون المسطرة الجنائية سنة 2002، والذي جاء في ظرفية سياسية ترمي إلى القطيعة، وبصريح ما ورد في ديباجته، مع السلبيات التي أفرزتها تجربة الأربعين سنة قبل 2002 من الممارسات الماسة بالحريات والحقوق، فما هي يا ترى دوافع العمل على وضع مشروع جديد لهذا القانون؟
فإذا كانت هناك حاجة إلى تعديلات جوهرية على قانون مرت اثني وعشرون سنة على إصداره، فما هي دوافعها يا ترى؟ وهل تم الوقوف على المنجزات أو الإخفاقات التي رافقت تفعيل هذا القانون بعد صدوره سنة 2002 حتى يتم المرور لمرحلة أعلى من الإصلاح؟
أما المحك المركزي الذي لا بد أن يتم على أساسه تقييم نتائج تفعيل وتطبيق قانون المسطرة الجنائية الحالي، هو محك تفعيل شروط المحاكمة العادلة في مغرب ما بعد 2002 التي هي الهدف الأسمى المعلن لتنزيل أنداك قانون جديد للمسطرة الجنائية.
وبما أن المشروع الجديد هو وريث قانون مسطرة جنائية كان وليد ظروف استثنائية، فيجب أن ترشدنا مذكرة تقديم وزير العدل للمشروع الجديد لقانون المسطرة الجنائية، على تقييم “منجزات” قانون المسطرة الجنائية الحالي بعد اثني وعشرون سنة مرت عن تاريخ إصداره، و أن يتم تقييم أيضا ما لم يتحقق، وكيف يمكن تجاوز نقصان القانون الحالي من خلال مشروع القانون الجديد.
إلا أن وزير العدل في تقديمه لمشروع قانون المسطرة الجنائية الجديد، وحتى يحدد الإطار المنهجي الذي أراد وضع فيه مشروعه، أكد على أن مراجعة القانون رقم 01-22 (قانون المسطرة الجنائية الحالي) بعد مرور أكثر من عشرون سنة عن صدوره، تتم في إطار “تحديث المنظومة القانونية الوطنية”. وبما يعني أن أولية القطيعة مع ممارسات سابقة والإصرار على تقوية شروط المحاكمة العادلة، أصبحت أهدافا متجاوزة، دون أن يتقدم ولو بتقييم مقتضب لدوافع التجديد الذي هو عازم على إدخاله على قانون المسطرة الجنائية بالنظر للأهداف التي سبق تحديدها في القانون الحالي، وأين تم تسجيل قصور المسطرة الجنائية الحالية حتى يبرر التعديل الكبير الذي يريد إدخاله على هذا القانون؟
بعد هذه التوطئة، ينتقل تقديم وزير العدل إلى الاستشهاد بما ورد في الخطاب الملكي في 20 غشت 2009 وبالتحديد: “تحديث المنظومة القانونية… وضمان شروط المحاكمة العادلة وهو ما يتطلب نهج سياسة جنائية جديدة، تقوم على مراجعة وملاءمة القانون والمسطرة الجنائية (أي القانون الجنائي بالإضافة للمسطرة الجنائية) ومواكبتها للتطورات، بإحداث مرصد وطني للإجرام وذلك في تناسق مع مواصلة تأهيل المؤسسات الإصلاحية والسجنية”.
الخطاب الملكي المستشهد به يتحدث عن ضمان شروط المحاكمة العادلة، من خلال سياسة جنائية جديدة تقوم على مراجعة وملاءمة القانون الجنائي والمسطرة الجنائية، وبما يعني أن ضمان تحقيق شروط المحاكمة العادلة مازالت مهمة آنية سنة 2009.
ليبقى الكلام عن التحديث بدون تحديد الهدف المتوخى من أي تحديث، في مسألة تخص العدالة، هو كلام يخفي في النهاية أهدافه الحقيقية، ما دام أن الغرض من سن هذا النوع من القوانين هو تحقيق العدالة، وفي حالتنا ضمان شروط المحاكمة العادلة والأمن القضائي للمغاربة.
إضافة إلى أن العجز في تحديد الغاية المثلى من تغيير المسطرة الجنائية، ينم أيضا على الخلط والارتباك الواضح في تحديد التوجهات العامة، وأن الإسراع بجعل مشروع قانون المسطرة الجنائية على سكة إقراره دون ربطه بإصلاح وتغيير القانون الجنائي الذي تم إصداره سنة 1962، أي لأكثر من ستين سنة، مضت، ينم عن عدم إدراك، أو تجاهل فاضح لإحدى المعوقات التي جعلت القانون الحالي غير نافذ في ضمان شروط المحاكمة العادلة.
أما الإحالة على السياسة الجنائية والتي هي شأن حكومي بالأساس، هو إقرار صريح بأن المحرك الفعال في ضمان تفعيل القوانين التي تضمن ممارسة الحريات والحقوق حتى لا يطالها تجاوز من أي سلطة كانت، وهذا على صعيد المبدأ العام، هو من المهام الموكلة للسلطة السياسة الحاكمة إذا كان همها فعليا تحقيق هذا الهدف.
وإذا كان يجب تحديد مكمن القصور في قانون المسطرة الجنائية الحالي في بلوغ الأهداف التي كانت وراء إصداره سنة 2002، حتى يمكن التأكد من أن مشروع قانون المسطرة الجنائية الحالي جاء لدفع عجلة هذه الضمانات إلى الأمام، بعد مرور أكثر من عشرين سنة على إصدار قانون المسطرة الجنائية الحالي، وأكثر من ستين سنة على إصدار القانون الجنائي، فلا حديث في مقدمة وزير العدل على المرتكزات التي تسعى السلطة القائمة لتحقيقها، في مجال الأمن القضائي والضمان الفعلي، لشروط المحاكمة العادلة.
كذلك إذا كانت نصوص القانون الجنائي هي التي تطبق بعد إتمام الإجراءات المسطرية التي يحيل عليها قانون المسطرة الجنائية وبمناسبة أي متابعة، وجب التذكير أيضا، أن القانون الجنائي الواجب التطبيق يرجع تاريخ إصداره إلى ما قبل اثنين وستين سنة، أما التعديلات التي طالت بعضا من فصوله، فكانت تتحكم فيها ظروف خاصة.
فهل يمكن القول وفي ظل هذه الظروف، أننا بحاجة ملحة إلى قانون مسطرة جنائية جديد مع اعتماد نفس القوانين الجنائية التي سنت منذ أكثر من ستين سنة؟ وهل يمكن عزل تعديل المسطرة الجنائية عن إصلاح القانون الجنائي برمته؟ وقبل هذا وذاك، هل تحققت شروط وضمانات المحاكمة العادلة بعد سن قانون المسطرة الجنائية بعد سنة 2002؟
طبعا لا، وهذا ما يتأكد لكل متابع نزيه للشأن القضائي بالمغرب. فالخروقات المسطرية طالت عدة محاكمات لمعارضين أو صحفيين، تم استعمال فيها القضاء والترسانة القانونية كوسيلة ردع وانتقام ليس إلا.
ولم ينجو المواطن العادي أيضا في العشرين سنة الأخيرة، من هذا الوضع، مع استعمال المتابعات القضائية كأدوات قمع وترهيب، وما اكتظاظ السجون بالنزلاء بأعداد فاقت كل تصور، إلا دليل آخر على سوء أوضاع العدالة في هذا البلد.
فأين السياسة الجنائية للدولة من هذا كله يا ترى؟، وهل تم تدبيرها وفق الأهداف المعلنة في التصريحات الرسمية؟
يمكن القول إن هذه السياسة، وهي غير معلنة بالأساس، لم تحدد إلى حدود الساعة ما هي الوسائل التي تعمل من خلالها الدولة لبلوغ الأمن القضائي للمغاربة، أو توفير الظروف التي تعجل بجعل شروط المحاكمة العادلة قائمة فعليا.
أما القول على أن سن قانون جديد للمسطرة الجنائية يتضمن مقتضيات “حديثة” دون استشعار أن الأمن القضائي وضمان ممارسة الحقوق و الحريات يتطلب إرادة سياسية معلنة و فاعلة تتجسد في الحياة اليومية للمغاربة، ما هي إلا محاولة جديدة لترحيل المهمة الأولية و المركزية، التي هي خلق الشروط الحقيقية لبناء دولة الحق و القانون، إلى أجل غير مسمى، ويبقى هذا الهدف و وفق ما تسير عليه أمور هذا البلد، بعيد المنال.




