إفتتاحية

الحكومة..من شرعية الصناديق إلى شرعية الإنجازات

“الحكومة، من شرعية الصناديق إلى شرعية الإنجازات”، هذا هو شعار الورشة الأولى من ورشات “جامعة الشباب”، التي تنظمها شبيبة “حزب الحمامة” بأكادير اليوم وغدا.

هذا الشعار، من الشعارات التي ينطبق عليها المثل القائل: “كل إناء بما فيه ينضح”، وسيأتي بالتفصيل بيان ذلك، حتى لا يصاب المتابع بعمى الألوان أمام زرقة الحمامة.

بالطبع لن نتكلم عن الشرعية الانتخابية، لأنه بكل بساطة صناديق الانتخابات تتوفر على أربعة واجهات، و واجهة من الواجهات الأربعة غير مرئية للعموم. و هو ما يحتم التجاوز والقول أن شرعية الحكومة الحالية، مثل شرعية سابقاتها، فإن كانت السابقة نالت شرعية حقيقية فهذه كذلك!

ما يهمنا، هو الشق الثاني من الشعار، المتعلق بشرعية الانجازات، وهنا سنترك الحكومة ومؤسساتها تتحدث عن نفسها، مع استحضار تصنيف المغرب وفق بعض المؤشرات العالمية لتكتمل الصورة.

في ماي الماضي، نشرت المندوبية السامية للتخطيط، مذكرة كشفت فيها أن 25% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم ما بين 15 و 24، لا يقومون بأي نشاط، وهو ما يعني أن 1,5 مليون شاب مغربي، من هذه الفئة العمرية وحدها، لا يعملون ولا يدرسون ولا يتابعون أي نوع من التكوين.

من بين الأسباب التي عزت إليها المندوبية وضعية هذه “القنبلة الاجتماعية”، هو واقع التعليم، وبالخصوص حجم الهدر والانقطاع الدراسي، وهذا يجرنا للحديث عن واقع القطاع.

وفق معطيات رسمية لوزارة التعليم، فإن نحو 264 ألفا منقطعين عن الدراسة، حوالي 231 ألفا منهم ينقطعون داخل الموسم الدراسي و نحو 64 ألفا انقطعوا بسبب الفصل، وهذه طامة كبرى أن تضطر الوزارة إلى حل الفصل، لمواجهة بعض المشاكل المطروحة، لتتحول الوزارة إلى أكبر مساهم في الهدر قبل أي عامل خارجي عن المنظومة.

وهذا ما يفسر احتلال المغرب مراتب متأخرة في التصنيف العالمي، كان آخرها التصنيف الصادر عن الموقع الأمريكي “إنسايدر مانكي”، الذي وضع المملكة في المرتبة 154 عالميا.

وضع الهدر المدرسي لا شك أنه سيتعمق أكثر بعد إلغاء الحكومة الاجتماعية، لمبادرة مليون محفظة وتعويضها بدعم هزيل يقدر بمائتي درهم، في الوقت الذي يعرف الجميع أن هذا المبلغ في الزمن الحالي، لا يكفي حتى لتنقلات بعض الأسر ذهابا وإيابا في سبيل الحصول على الأدوات والمستلزمات، خاصة في العالم القروي.

أرقام الهدر المدرسي تشبه أيضا في قتامتها أرقام سوق الشغل بالمغرب، ففي الفصل الأول فقط من السنة الجارية، فقد سوق الشغل 159.000 منصب، كلها في القطاع الفلاحي، وهو الأمر الذي كان له انعكاس كبير على نسب البطالة العامة، حيث ارتفعت على المستوى الوطني إلى نسبة  13,7%  وهي نسبة قياسية لم تسجل منذ عدة سنوات، وعلى مستوى الجهات بلغت في بعضها مستويات لا يتقبلها العقل، كما هو الشأن بجهة الشرق التي تجاوزت 20 %.

وفقدان هذا العدد الهائل من مناصب الشغل في القطاع الفلاحي، في ظل مخطط المغرب الأخضر وبرنامج “الجيل الاخضر”، أصدق تقييم لهذا المخطط ومختلف الاستراتيجيات الفلاحية التي صرفت عليها الملايير من الدراهم، دون أن تضمن للمغاربة أمنهم الغذائي.

ولا نعتقد أن لهيب الأسعار الذي اندلع على انقاض السياسة الفلاحية، استثنى أحد، حتى الذين كانوا يصنفون في خانة الطبقة المتوسطة،  أما الفقراء فزادوا فقرا و تضاعفت أعداد القابعين منهم تحت خط الفقر.

ولأن مناصب الشغل مرتبطة ارتباطا وثيقا بالاستثمارات، ولأن الحكومة دائما ما تركز في خطابها التسويقي على العمل على استقطاب الاستثمارات الخارجية، فإن قراءة سريعة وبسيطة للبيانات المتاحة عن تدفق الاستثمارات الخارجية المباشرة إلى أفريقيا سندرك حجم إنجازها في هذا الإطار.

حسب مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، يحتل المغرب المرتبة 16 ضمن البلدان المستقطبة للاستثمارات الخارجية على مستوى القارة.

وإذا استثنينا الدول التي انهكتها الصراعات المسلحة والأزمات الاجتماعية، باختصار “الدول الفاشلة”، فإن الترتيب الذي تموقع فيه المغرب، هو ترتيب متأخر للغاية لا يعكس بتاتا كل الضجيج المثار على موضوع استقطاب الاستثمار.

هذا ليس كل شيء، إذ توقع صندوق النقد الدولي، في أفق 2027 أن لا يتعدى الدخل المحلي الاجمالي 108.10 مليار دولار، واحتل بذلك المغرب الرتبة السادسة، لكن مع فوارق بعشرات المليارات مع الدول التي تتقدمه.  

وبالطبع العارفين بالاقتصاد يدركون أن دولة بهذا الدخل، ترفع راهانات وشعارات كبيرة من قبيل تعميم التغطية الصحية و الاجتماعية و تنظيم كأس العالم 2030 وإعادة إعمار الحوز، لا يمكنها ان تفعل ذلك دون رهن البلاد بمزيد من القروض.

وعلى ذكر إعادة إعمار الحوز، بعد سنة من الزلزال المدمر، الحكومة وعلى لسان رئيسها قدمت حصيلة تعكس بجلاء الإنجازات الحكومية، ويكفي أن نورد رقما دالا على ذلك.

إذ أن مساعدات الحكومة لم تمكن إلا من اعادة بناء 1000 سكن من أصل أكثر من 58 ألف ترخيص أصدرته المصالح المختصة، وهو ما دفع مثلا الائتلاف المدني من أجل الجبل، يتوقع أن الحكومة بوتيرة عملها الحالية، بحاجة لنحو 15 سنة على الأقل لتتمكن من إعادة إعمار الحوز. فهل هناك إنجاز أعظم من هذا؟

هذا الوضع و الأوضاع اللاحقة بعد الفيضانات الأخيرة التي ضربت معظم أقاليم الجنوب الشرقي، بلا شك ستنعكس أيضا على عدة مؤشرات وبالخصوص مؤشر التنمية البشرية الذي لازال المغرب يحتل فيه الرتبة 120 من أصل 180 دولة.

من المهم القول بأننا لا نحمل المسؤولية لهذه الحكومة وحدها، على اعتبار أن بعض “المنجزات والنتائج الكارثية”، لا تظهر إلا بعد انتفاء عقد أو عقدين، وبالتالي الحكومات المتعاقبة لها نصيب وفير في هذه “الانجازات”.

لكن الحزب الذي يحدثنا اليوم عن شرعية الانتخابات والانجازات، كان ممثلا في كل الحكومات التي تعاقبت، وهو ما يرقى به إلى الحزب الأكثر مسؤولية. بل هو منتوج حكومي خالص، إذ كما يعلم المهتمين بالشأن السياسي، الأحرار ولد من رحم الحكومة بعد انتخابات 1977 بعدما ترشح عدد من الأشخاص مستقلين/أحرار قبل أن يستوزرو  ويؤسسوا حزبا من داخل الحكومة.

وحتى عندما خرج إلى المعارضة في النسخة الأولى للحكومة البنكرانية من 2012 إلى 2014 حافظ رئيسه ورئيس الحكومة عزيز أخنوش على حقيبته ووقع البيان الشهير الذي أعلن فيه “نهاية مساره السياسي” مع الاستمرار في حكومة الاسلاميين بغرض إنهاء مخططاته الخضراء والزرقاء.

وبالمناسبة هذا البيان أصدره أخنوش بثلاث لغات، العربية والفرنسية والانجليزية. الأولى ليعلم بها المغاربة والعرب، و الثانية المتكلمين بالفرنسية في المغرب وشركائه التجاريين في الخارج، والثالثة لمن يزوده بالبترول، لأن هذه المادة لا تباع إلا بالانجليزية! وهو في الحقيقة بيان جدير بأن يعاد النقاش حوله، وهو ما سنفعله في مواد لاحقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى