سهيلة الريكي..مسار إعلامية من ذهب

أن تكونين صحافية في تسعينيات القرن الماضي تصارعين الرجال في العاصمة على مهنة يحتكروها كما باقي المهن “النخبوية” حينها، فذلك عناد منك وتشبث بالحلم، بل هو إنجاز في حد ذاته. لكن أن تكونين صحافية ريفية في الرباط في ذلك العهد، فهذا يعني أن الطموح لا نهاية له، ولم يعترف يوما بقساوة جبال الريف التي تحجب شمس العاصمة.
هكذا كانت سهيلة أحمد الريكي، الإعلامية البارزة مقدمة برنامج “حكايات الهجرة”، على إذاعة “كاب راديو”.
طاردت الريكي حلمها الطفولي حتى نالت مبتغاها، وبصمت على أكثر من تجربة اعلامية في مسارها الذي يمتد لنحو ثلاثة عقود وما يزال مستمرا حتى يوم الناس هذا.
مسار طفلة أجدير
حلّت الريكي مؤخرا ضيفة على برنامج “إمرأة من ذهب”، الذي تقدمه الزميلة وداد أدرداك على القناة الأمازيغية، وتعرّف الجمهور عن كثب على مسار إعلامية من ذهب.
ولدت الريكي بجماعة أجدير، المتاخمة لمدينة الحسيمة. قضت طفولتها متنقلة بين أجدير والحسيمة التي تابعت فيها دراستها الابتدائية بمدرسة محمد الخامس إحدى أعرق المدارس في منارة المتوسط، قبل أن ترحل من هناك مع نهاية سنتها الأولى في السلك الثانوي الإعدادي بثانوية البادسي.
ولأن ذكريات الطفولة الجميلة أكثر ما يعلق في الذاكرة، تسرد الريكي بكثير من الشغف الطفولي بعض هذه الذكريات التي طبعت مسارها الدراسي بالخصوص، إذ أن لها شقيق يكبرها بسنة واحدة، وكان متفوقا في دراسته حتى نال الشهادة الابتدائية وهو متصدر لائحة الناجحين، وحينها كان المتفوقون يكرمون من قبل عامل الإقليم.
وفي السنة الموالية، أخذت سهيلة مكان شقيقها في التفوق، وحظيت بالتكريم نفسه، وكان ذلك في الواقع مصدر فخر واعتزاز ليس للعائلة فقط، بل للمدينة كلها.
خيار التفوق
هل سعت سهيلة لتقفي أثر شقيقها المتفوق؟ كان هذا سؤال وداد أدرداك. لكن جواب سهيلة يبرز أن خيار التفوق لم يكن وليد لحظة، بل هي صناعة من المحيط، وخيار لا تقابله الكثير من الخيارات الأخرى التي يمكن أن ينخرط فيها طفل في مثل سنها.
الأهم، أن البيئة العائيلة كانت تحفز على ذلك، إذ أن والدها المرحوم “سي أحمد الريكي”، الذي لم يدخل مدرسة قط كان انسانا مثقفا، ويتقن اللغتين الفرنسية والاسبانية كتابة وتحدثا أفضل حتى من الفرنسيين والإسبان.
رغم الظروف التي حالت دون ولوجه المدرسة، إلا أن الوعي بالتعلم الذاتي كان حافزا لوالد سهيلة باكتساب المعارف المتاحة حينها، وهو ما انعكس عليها أيضا من خلال تحبيبها للمطالعة وقراءة الجرائد التي كان يأتي بها، وايضا مطالعة ما وقعت عليه يدها في فضاء المطالعة بحديقة 3 مارس المعروفة لدى ساكنة الحسيمة بـ”باركي نتشيتا”.

كذلك كانت والدتها، رغم أنها انقطعت عن الدراسة في أعوامها الأولى، بسبب الظروف المختلفة، إلا أن ذلك لم يمنع من إتّقاد حس المعرفة لديها، حتى أنها كانت تتكلف بمتابعة ومراجعة دروس سهيلة و شقيقها.
سهيلة التي تصف والدتها بالمرأة العظيمة، والتي تستحق لقب إمرأة من ذهب بدلها، تقول بأنها أحست بأن والدتها جددت معرفتها من خلال المراجعة ومتابعة الواجبات المدرسية معها ومع شقيقها.
خلاصة القول، أن الوالدين كانا يعتبران أن الاستثمار الذي يمكن لهما القيام به حينها هو الاستثمار في الأبناء، من خلال السهر على تعليمهم تعليما جيدا، ثم أن هناك جانب آخر إذ كان التفوق بالنسبة لهم جزء من صلاح التربية.
زيادة على كل ذلك عاشت سهيلة حسب ما أكدت في بيئة لم تكن تمارس التمييز بين المرأة والرجل، وبالتالي الانتظارات والتوقعات التي كانت منتظرة من شقيقها هي نفسها بالنسبة إليها.
سهيلة الإعلامية
حلم الولوج إلى مهنة “المتاعب”، لم يكن في الواقع وليد الصدفة، فالبيئة العائلية التي أشرنا إليها في السابق، والتي تميزت بحب المطالعة منذ الصغر، ومتابعة البرامج السياسية رفقة العائلة، خاصة البرامج التي كانت تبث من بعض القنوات الاسبانية، كلها عوامل حببت المهنة لدى سهيلة الريكي.
بعدما غادرت الحسيمة والريف عموما، استقر بها الحال بداية في طنجة وبينها وجارتها تطوان قضت ريعان الشباب، ونالت شهادة الاجازة من جامعة عبد المالك السعدي بتطوان، قبل أن تنتقل إلى الرباط و تبحث حينها على اثبات الذات و تحقيق حلم الطفولة.
قد تكون قدرتها السريعة على “الاندماج”، عاملا و حافزا إضافيا لاقتحام المجال، إذ بعد فترة قصيرة من حلولها في العاصمة السياسية للمغرب انطلقت في رحلة البحث عن “فترة تدريبية” في وكالات الأنباء، قبل أن تتوج مساعيها متدربة لشهر ونصف في وكالة “رويترز” للأنباء.
بعدها انتقلت لذات الغرض إلى جريدة الأسبوع الصحفي، لقيدوم الصحافيين المغاربة الراحل مصطفى العلوي، وتحت سقف هذه الجريدة ستطالع إعلانا في إحدى الجرائد اليومية الحزبية، عن الحاجة لتوظيف صحفيين من الخريجين الجدد، لتسارع وتتقدم للوظيفة.
لكن بكل تأكيد وهي تحظر للمباراة كانت تدور في رأسها الكثير من الأسئلة، لعل أبرزها، كيف يتم اختيارها وهي لم تدرس الاعلام، وحتى عندما سعت لدراسته كانت بحاجة لإتمام دراستها الجامعية ونيل الاجازة قبل ولوج معهد الاعلام، وعند حصولها عليها سيتغير النظام وتصبح الدراسة في المعهد بالباكلوريا، وأسئلة أخرى من قبيل كيف سيكون وضعها وموقعها أمام كل الخريجين وضمنهم حاصلين على دبلومات الدراسات العليا والدكتوراه.
تركت كل هذه الاسئلة جانبا وتسلحت بارادة والديها، واجتازت الاختبار الكتابي مع المئات من المرشحين، وبعد مضي عدة أسابيع، وبعدما نسيت المباراة أو يئست من انتقائها، توصلت برسالة تدعوها لاجتياز الاختبار الشفوي، حينها أدركت أن العقبة الأولى تخطتها بنجاح، وأنه لم يعد يفصلها عن حلمها سوى خطوة واحدة.
لم تكن وهي تجتاز الاختبار الشفوي أمام لجنة يترأسها محمد البريني، أنها بصدد اجتياز اختبار لتأسيس أول جريدة يومية مستقلة بعد تجربة الصحافة الحزبية التي سادت خلال الفترة الماضية.
كان ذلك في العام 1999، عندما انتهت المباراة ونودي على سهيلة الريكي و 33 آخرين لإطلاق جريدة الأحداث المغربية التي تمكنت من تصدر المشهد الإعلامي بعد أشهر قليلة من إطلاقها.

وبالرغم من تأسيسها لتجربة فريدة وتحقيق طموحها وحلم الطفولة، إلا أنها لم تكن مرتاحة في موقعها في البداية، على اعتبار أن الرغبة التي كانت تحدوها هي التخصص في القسم السياسي، لكن بحكم التقسيمات التقليدانية التي كانت سائدة في كل المجالات، فبعض الأقسام وضمنها القسم السياسي أسندت للرجال، فيما منحت وزميلاتها أقسام الأسرة والمجتمع، وغيرها بالرغم من أهميتها وإثبات جدارتها فيها، إلا أنها لم تحس بقدرتها على العطاء الكامل إلا بعد انتقالها من مكتب الدار البيضاء إلى الرباط لتشغل هناك مهمة مديرة المكتب.
حينها وبحكم أن العاصمة هي مركز “السياسة وصنع القرار السياسي”، خاضت سهيلة في المجال من باب المتابعات البرلمانية و الشؤون الحزبية وغيرها.
بعد تجبرة الأحداث المغربية التي دامت عدة سنوات، ستطلق الريكي، تجربة جديدة، وهي أيضا تجربة فريدة في المغرب، بنشرها لمجلة نسائية تحت اسم “لكل النساء”.
بعدها خاصت الريكي تجربة سياسية ولكن دائما بقبعة الإعلامية، حيث أسندت إليها مهمة المسؤولة الاعلامية في الأصالة والمعاصرة، وأيضا ناطقة باسم الحزب في الانتخابات.
وتستمر سهيلة الريكي في تجربتها الإعلامية، من خلال برنامجها الأسبوعي على أثير إذاعة كاب راديو “حكايات الهجرة”، والذي تستضيف فيه مغاربة العالم من مختلف التخصصات والمشارب من الذين حققوا نجاحات في بلدان المهجر.




