سيرة كتاب .. قصيدة “مديح الظل العالي” لمحمود درويش

“مديح الظل العالي” قصيدة مطولة للشاعر الفلسطيني محمود درويش صدرت في ديوان مستقل بذات الاسم سنة 1983 عن دار العودة في بيروت، يؤرخ فيها لحدث خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان على اثر الهجوم الإسرائيلي على لبنان، ويؤرخ لأبشع الجرائم التي ارتكبتها القوات الصهيونية في حق الفلسطينيين في مخيم صبرا وشاتيلا والذي خلف ما يقارب ثلاثة ألاف شهيد.
عاش درويش عن قرب تجربة خروج مقاتلي المقاومة الفلسطينية من لبنان في اتجاه قبرص بداية الثمانينات تحت زخات الرصاص الصهيوني الذي حصد مئات الشهداء، بعد حصار بيروت الذي دام 70 يوما انتهى بخروج مقاتلي المقاومة الفلسطينية من بيروت بحرا، كان المشهد مفعما بالحزن والإحباط والانكسار، بعد أن استفردت القوات الصهيونية بالفلسطينيين في لبنان دون أن يتدخل الإخوة ولا المجتمع الدولي لتجنيبهم هذه المجازر المروعة.
في هذه الظروف تفتقت موهبة درويش فولدت هذه القصيدة الملحمية، القصيدة التي يمكن عدها ملحمة الفلسطيني في زمن الغطرسة الصهيونية، قصيدة كثف فيها درويش موهبته الشعرية، معتمدا الرمز والأسطورة لتفجير ينابيع التأويل، مُحلقاً بالقصيدة في سماء الاستعارة والمجاز، ليوسع دائرة موضوعات القصيدة، ويتحلل رويدا رويدا لما أسماه يوما “هدا الحب القاسي”.
يستهل درويش قصيدته بالوقوف أمام البحر الذي سيحمل مقاتلي المقاومة الفلسطينية بعيدا عن مكان إقامتهم لبنان، وبعيدا عن وطنهم المُغتضب فلسطين، هنا يتذكر ويذكر درويش أيضا بمأساة المقاومة الفلسطينية في الأردن سنة 1970 خلال ما سمي بأيلول الأسود، على إثره خرجت المقاومة الفلسطينية من الأردن لتتوجه إلى لبنان، ولم تمض 12 سنة، حتى وجدت المقاومة الفلسطينية نفسها مجبرة مرة أخرى على الرحيل، يقول درويش مستهلا قصيدته:
بحر لأيلول الجديد
خريفنا يدنو من الأبواب
بحرٌ للنشيد المر
هيأنا لبيروت القصيدة كلَها
لمنتصف النهار
بحرٌ لرايات الحمام
لظلنا، لسلاحنا الفرديّ
بحرٌ، للزمان المستعار
ليديكَ، كم من موجةٍ سرقت يديك
من الإشارة وانتظاري
ضع شكلنا للبحر
ضع كيس العواصف عند أول صخرةٍ
واحمل فراغكَ … وانكساري
في قصيدة مديح الظل العالي تبلغ شاعرية درويش ذروتها على إيقاع النَفَسِ الطويل للقصيدة، حاملا القضية الفلسطينية إلى سماء الإنسانية، بعد أن استفرد الوحشُ الصهيوني بالفلسطيني وسط صمت العالم وبل بتواطئ بعضه.
عَنون درويش قصيدته ب “مديح الظل العالي”، مما قد يفيد أن القصيدة تتحدث عن شخص فرد يوصف بالظل العالي، والظّل العالي قد يكون حاكما أو قائدًا أو زعيما… وقد عرف التاريخ الكثير من الحكام اعتبروا أنفسهم ظل الله على أرضه، لكن الظل العالي هنا في قصيدة درويش ليس حاكما ولا زعيما، بل هو ذاك الإنسان الفلسطيني الموزع بين المخيمات والملاجئ، يكابد مأساته لوحده، يتشرد من هجرة إلى أخرى، ويُستباح دمه من مجزرة إلى أخرى، وأينما ولى وجهه فثمة كل شيء قابل للانفجار:
هي هجرةٌ أُخرى إلى ما لستُ أَعرفُ…
أَلفُ سَهْمٍ شد خاصرتي ليدفعني أمامَ
لا شيء يكسرنا
ومَنْ أَدمى جبين الله، يا ابنَ الله، سَمَّاهُ، وأَنزلهُ كتاباً أو غماما
كمْ كُنْتَ وحدك، يا ابن أُمِّي،
يا ابنَ أكثر من أبٍ
كم كُنْتَ وحدكْ
القمحُ مُرُّ في حقول الآخرينْ
والماءُ مالحْ
والغيم فولاذٌ.وهذا النجمُ جارحْ
وعليك أن تحيا وأن تحيا
وأن تعطي مقابلَ حبَّةِ الزيتون جِلْدَكْ
كَمْ كُنْتَ وحدكْ
إن صاحب الظل العالي في قصيدة درويش هو هذا الفلسطيني الذي تُرك وحيدا، فأضحى محكوماً عليه أن يحيا وأن يحيا ويعطي جلده مقابل حبة زيتون أرضه.
في القصيدة يحث درويش الفلسطيني أن يشيد أسطورته بيديه وأظافره، ويسحب ظلاله من ايدي تجار الأوطان الذين يتاجرون بقضيته:
واسحبْ ظلالكَ من بلاطِ الحاكمِ العربيِّ حتى لا يُعَلِّقها
وساماَ
واكسرْ ظلالك كُلَّها كيلا يمدُّوها بساطاً أو ظلاما.
كسروكَ، كم كسروكَ كي يقفوا على ساقيك عرشاَ
وتقاسموك وأنكروك وخبَّأوك وأنشأوا ليديكَ جيشاَ
حطُّوك في حجرٍ… وقالوا: لا تُسَلِّمْ
ورَمَوْك في بئرٍ.. وقالوا : لا تُسَلِّمْ
وأَطَلْتَ حربَكَ يا ابن أُمِّي
ألف عامٍ ألف عامٍ في النهارِ
فأنكروكَ لأنهم لا يعرفون سوى الخطابةِ والفرارِ
هم يسروقون الآن جلدكْ
فاحذرْ ملامحهم…وغمدَكْ
كم كنتَ وحدكَ يا ابن أُمِّي
يا ابن أكثرَ مِنْ أَبٍ
كَمْ كُنْتَ وحدكْ !
ويذهب درويش في قصيدته إلى فضح السردية الصهيونية وتعرية مزاعهما حول أحقية الصهاينة في قتل الفلسطيني وطرده من أرضه بناء على روايات دينية تلوكها الصهيونية كما تشاء غرائزها:
أُنادي إشعيا: أخرج من الكتب القديمة مثلما خرجوا
أَزقَّةُ أورشليم تُعَلِّقُ اللحم الفلسطينيَّ فوق مطالع العهد القديم
وتدّعي أن الضحية لم تُغيِّر جلدها
يا إشعيا… لا تَرْثِ
بل أُهْجُ المدينةَ كي أُحبك مَرَّتين
وأُعلنَ التقوى
وأَغفر لليهوديِّ الصبيِّ بكاءه..
اختلطتْ شخوصُ المسرح الدمويّ:
لا قاضٍ سوى القتلى
وكفُّ القاتل امتزجَتْ بأقوال الشهودِ،
وأُدخل القتلى إلى ملكوت قاتلهم
وتمَّتْ رشوةُ القاضي، فأعطى وجهه للقاتل الباكي على شيء
يُحَيِّرُنا…
سَرَقْتَ دموعنا يا ذئب
تقتلني وتدخل جُثَّتي وتبيعها..
أُخرجْ قليلاً من دمي حتى يراك الليلُ أَكثر حُلْكَةً!
واخرجْ لكي نمشي لمائدة التفاوض، واضحينْ كما الحقيقةُ:
قاتلاً يُدلي بسكَّينٍ،
وقتلى
يدلون بالأسماء: صبرا، كفر قاسم، دير ياسين، شاتيلا!
ويؤكد درويش في قصيدته أن الصهيونية تمارس همجيتها وساديتها تحت حماية ودعم أمريكا:
وأمريكا على الأسوارِ تهدي كل طفل لعبةً للموتِ عنقوديَّةً
يا هيروشيما العاشقِ العربي أَمريكا هي الطاعون , والطاعونُ أمريكا
نعسنا . أَيقظتنا الطائرات وصوتُ أَمريكا
وأَمريكا لأمريكا.
إن موهبة درويش في “مديح الظل العالي” جعلت القصيدة تتعالى على الزمان والمكان، رغم أنها نبعت من أحداث معينة في مكان وزمان معينين، لكن رغم ذلك لم تسقط في المناسباتية، بل تناولت مأساة الفلسطيني من منظار الوجود الإنساني، فصارت القصيدة التي كتبت سنة 1982 كأنها كُتبت اليوم، تصف ما يحدث الآن في لبنان وفلسطين، جاء في القصيدة:
بيروت … فجرا ً
يُطلق البحر الرصاص على النوافذ
يفتح العصفور أغنية ً مبكرة ً
يُطيـّر ُ جُارنا رف َّ الحمام إلى الدخان
يموت من لا يستطيع الركض في الطرقات
قلبي قطعةٌ من برتقال يابس
أُهدي إلى جاري الجريدة كي يفتش عن أقاربه ……. أعزيه غدا ً
أمشي لأبحث عن كنوز الماء في قبو البناية
يدخل الطيران أفكاري ويقصفها
فيقتل تسع عشرة طفلة
يتوقف العصفور عن إنشاده
والموت يأتينا بكل سلاحه الجوي ّ والبري ّ والبحري ّ
ألـــــــفُ قذيفة أخرى …. ولا يتقدم الأعداء شبراً واحدا ً




