الحسيمة تودع بامتنان “بنات المحبة” اللواتي عالجن الأجساد والأنفس لعقود

الحسيمة: فكري ولدعلي
قبل ثلاثة أشهر، ودّعت مدينة الحسيمة مجموعة من النساء الاستثنائيات اللائي كرّسن حياتهن على مدار عقود لخدمة الفئات الأكثر احتياجًا، في لحظة ملؤها الحزن والامتنان.
هؤلاء الراهبات ينتمين إلى “جماعة بنات المحبة” (Comunidad de Hijas de la Caridad)، التي أُسست في المغرب عام 1940، ومنذ ذلك الحين كنّ مثالاً للتفاني والإخلاص في خدمة الإنسانية. خاصة في مستشفى محمد الخامس، حيث تركن أثرًا لا يُمحى بفضل التزامهن الكامل ورعايتهن اللامحدودة.
دور هؤلاء الراهبات لم يقتصر على تقديم الرعاية الطبية، بل امتد ليشمل زرع الأمل في قلوب من كانوا يواجهون أصعب الظروف.
في الستينيات، عندما كنا أطفالًا، شهدنا شخصيًا كرمهن ورعايتهن العميقة. خلال سنواتهن الطويلة هنا، استطعن دائمًا رؤية الكرامة الإنسانية في كل فرد والعمل على تعزيزها بكل عناية وحب.
من بينهن، تميزت الأم جوزيفا سواريز (Josefa Suárez)، التي تجسدت في شخصها روح الراهبة المتفانية، والتي نمت روابط إنسانية عميقة مع أبناء مدينة الحسيمة.
بوفاتهن، يغلق فصل حافل من تاريخ المدينة، لكن الأثر الذي تركنه في قلوب من رعَينَ واهتممن بهن سيظل حيًا. لا تزال كل زاوية في المستشفى، وخصوصًا قسم الأطفال، تشهد على تضحياتهن وعطفهن الذي لا يقدر بثمن.
لم تقتصر أعمال “بنات المحبة” على تقديم الرعاية الصحية في المستشفى فحسب، بل امتدت أيضًا إلى زيارة الأسر المحتاجة في بيوتها، ودعم السجناء، وتوفير التعليم لأكثر من 100 طفل من خلال مشروع “مادرينا” (Madrina)، بالإضافة إلى تقديم الدعم للمرضى الذين يحتاجون إلى جلسات غسيل الكلى ولا يستطيعون تحمل تكاليفها. كان عملهن ولا يزال مثالًا حيًا على كيف يمكن للخدمة الإنسانية الحقيقية أن تُحدث فارقًا كبيرًا في حياة الآخرين.
هذا الوداع لا يتعلق فقط بمجموعة من النساء، بل بأسلوب حياة علمنا معاني الرحمة والإنسانية. تركت الراهبات فراغًا كبيرًا في المدينة يصعب تعويضه، لكنهن يتركن أيضًا إرثًا خالِدًا يذكرنا بأن الخدمة الصادقة تتجاوز كل الحدود، سواء كانت ثقافية أو دينية أو جغرافية.
شكرًا من أعماق القلب على كل شيء، وإلى اللقاء!




