سيرة كتاب..رواية الإنسان الصرصار لدوستوفسكي

تعد رواية “الإنسان الصرصار” أو “رسائل من تحت الأرض” إحدى أهم الروايات التي صدرت في القرن التاسع عشر، لصاحبها دوستوفسكي الذي نحا فيها نحو كشف طبيعة الشر في الإنسان، وشكلت هذه الرواية صدمة للرأي السائد حينها والذي كان يملؤه التفاؤل، والتغني بمنجزات الإنسان في ظل الثورة الصناعية والعلمية التي بدأت شعوب أوربا تقطف ثمارها.
غير أن دستوفسكي رفض السير مع التيار، ورأى هذا التفاؤل السائد يخفي وراءه شرا مستطيرا، قد يطفو على السطح في أية لحظة ليكشف عن بشاعته، ويخدش هذا الخدر اللذيذ الذي تعيش في كنفه الإنسانية.
وكتب دستويفسكي روايته هذه رداً على رواية “ما العمل ؟” لنيكولاي تشرنشفسكي والتي تروّج لنظرية التفاؤل العقلاني ومفادها: أن الإنسان أناني بالطبيعة مما يجعله يتخذ كل قراراته لتأمين مصلحته الشخصية، وهو أيضا عقلاني بالفطرة، ولذا فقراراته يحسبها وفق قواعد المنطق وحسابات العلم بقدر ما يُمَكِّنُه رصيدُه المعرفي، وبالتالي فإن نتائج عمله من أجل مصالحه ستكون بالضرورة متسقةً مع مصالح المجتمع ورافداً للتقدم الحضاري، هذه هي الصورة المثالية عن الإنسان في أوربا حينها. فجاءت رواية دوستوفسكي بمثابة جرس إنذار يخدش نشوة انتصارات ومنجزات الإنسان الأوروبي، مما جعلها هدفاً للاتهامات بالسوداوية والتشاؤم أو أنها تمثل خطراً على الفكر الإنساني، إلى أن جاءت بشاعة الحرب العالمية الأولى فصدق الإنذار المبكر الذي أطلقه دوستوفسكي، وكشف الإنسان عن وجهه البشع.
تحكي الرواية التي صدرت سنة 1864 عن شخص سلبي يملأ قلبه المرارة وينضح احتقارا للناس ولنفسه، ويمضي القسم الأول من الرواية الذي هو بمثابة بحث سيكولوجي وفلسفي في نوع من الحوار الذاتي والاعتراف الذي يبوح به بطل الرواية، فيقدم نفسه قائلا: “أنا رجل مريض، أنا إنسان خبيث، لست أملك شيئا مما يجذب أو يفتن، أنا البطل موظف متقاعد يعيش عزلة كاملة مطلقة”، ولتقاعده وعجزه عن العمل يعادي من يعملون، ويرى نفسه أذكى من الناس الذين يعرفهم، ويرى أن حقدا شديدا ثابتا يسكن نفسية هذا الإنسان، ويرى أن الإنسان الفعّال يفعل أو يتوقف عن الفعل متى اصطدم بالمستحيل، أو ما يسميه: “جدار من حجر”، وهذا الجدار الصلب هي قوانين العلم، تلك التي تجبرنا على أن نسلم أن ( 2+2 تساوي 4)، وأن نستخرج كل النتائج التي تترتب على هذا الواقع، هذا الواقع الذي يرفض البطل ان ينصاع له، وبدل ذلك يفضّل حرية الشعور على هذه القوانين، ولا ينكر أنه يجد لذة في شعوره بسوئه وخبثه وكسله.
يتمرد البطل على الأفكار الطوباوية السائدة عن الإنسان في ذلك الوقت، إذ يرى أنه من الغباء أن نظن أن الإنسان لا يلجأ إلى الشر إلا لأنه لا يعرف مصلحته الحقيقية، وأن الإنسان المتنور بطبعه يرى في الخير منفعته، ولا بد من أن يفعل الخير. وعلى عكس هذه الأفكار الوردية عن الإنسان، يرى بطل دوستوفسكي أن البشر، في كثير من الظروف يهملون منفعتهم الحقيقية، ويسيرون في طريق تعاكس مصلحتهم، وهي طريق تكون في كثير من الأحيان شاقة عسيرة، فضلا عن أنها باطلة مستحيلة، حتى أنهم قد يفضلون الأضرار التي تنشأ من سيرهم في هذه الطريق، لان حماقتهم عجيبة، وحتى إن استطاع العلم يوما أن يبدل المجتمع وأن ينظم الأعمال الإنسانية على قواعد محسوبة وأن ينشئ حكمة عاقلة، فسيظل يوجد إنسان يصيح: “ألا فلنقلب هذه الحكمة كلها بركلة من أرجلنا أيها السادة، ألا فلنرسل إلى الشيطان جميع هذه اللوغاريتمات لنحيا بعد ذلك على ما يشاء لنا هوانا” وسيجد حتما هذا الإنسان بشرا يقلدونه، ذلك أن حرية الإنسان في التصرف بنفسه هي ما يحتاجه، مهما يكن هذا الاستقلال باهظ التكاليف.
في القسم الثاني من الرواية يعرض لنا الراوي شخوصا كان لها اثر في حياة البطل، وهو أمر لا يخرج عن دائرة الاعتراف كما في القسم الأول، لكن الاعتراف هنا يخص الذات في علاقتها بالاخر، هنا يستحضر البطل ذكريات أحداث وقعت له حين كان في الرابعة والعشرين من عمره، لقد كان منذ ذلك الحين كثير الصمت، متجهم الطبع، يتحاشى الناس ولا يخالط زملاءه في المكتب إلا لمِاما، كان يكرههم وبل يحتقرهم. كانت حياته تتأرجح بين الانغماس في ملذاتها تارة، وتارة في الاسترسال في الأحلام، منتقلا من هذا الموقع إلى نقيضه دفعة واحدة.
ذات صباح يزور رفيقا قديما من زملائه في المدرسة اسمه “سيمونوف” فيجد عنده رفيقين قديمين لم يكن يكِنُّ لهما أي ود، كان الثلاثة يناقشون مشروع حفلة عشاء يقيمونها وداعا لرفيقهم الرابع الضابط “زفركوف”، فحشر البطل نفسه في الدعوة إلى هذه الحفلة، وقرر أن يساهم بنصيبه من المال رغم فقره وحاجته، غير أن مأدبة العشاء تحولت إلى حصة إذلال له، إذ راح الأربعة يتحدثون فيما بينهم دون أن يعيروا أي اهتمام لحضوره معهم، فيغضب ويرفع كأسه في محاولة ليشرب نخب “زفركوف” مع بعض الإساءة التي كشفت عنها إيماءاته، غير أن “زفركوف” لم يعره أي اهتمام ولم يبادله النخب.
بعد العشاء قرروا أن يذهبوا إلى إحدى دور الدعارة، وهو لا يملك المال لذلك، ورغم ذلك قرر أن يتدبر أمر المال ويتبعهم، واقترض من “سيمونوف” وذهب في أثرهم، لكن عندما وصل إلى دار الدعارة وجدهم قد انصرفوا، وظهرت له امرأة، وهو ينظر إلى المرآة، فيرى وجهه مُشَعّثاً منفراً، فيخاطبا نفسه قائلا: “سيان، بل إن ذلك يسعدني، نعم إنه ليسعدني أن أبدو لها منفرا كريها، هذه متعة لي”
وفي الفجر اخذ يسألها ويحدثها بشماتة، يذكرها بالعذاب الذي ينتظر المومسات، والأمراض التي تتربص بهن، والمصير الحزين الذي ينتظرهن، في المقابل يطري على الحياة الزوجية إمعانا في إذلالها وتعذيبها نفسيا، وبعد تحملها وصمتها لمدة أجهشت أخيراً ببكاء حار، ومدت يدها إلى رسالة حب بعث بها إليها طالب يجهل وضعها.
في الغد، بعد عودة البطل إلى منزله، انتابته خشية من أن تزوره المرأة في بيته بعد أن مدها بعنوان منزله في لحظة عاطفة جيّاشة، وفعلا زارته المرأة، فاعترته على اثر ذلك نوبة غضب شديد، وظل يلقي عليها كلاما فيه إساءة واهانة بالغتين، وأخبرها أنه لم تساوره أية رغبة صادقة لإنقاذها، وإنما هو أراد أن يمارس سلطته ويجرب قوته في لحظة تسلية، ويعترف لها بدناءته، وأنه يريد طردها من منزله، وأدركت المرأة أنها أمام رجل تعيس، فتبقى بجانبه، ورغم ذلك فهو عاجز عن الندم، عاجز عن الحب، ويفضل الاعتزال في قبوه، فتتركه المرأة أخيرا، فيحاول اللحاق بها والتوسل إليها، غير أنه لم يدركها، والثلج يهطل في الخارج، فيعود إلى منزله مثقلا بالندم والحسرة، ولكن ما يلبث أن يهدأ حين يتصور أن الاهانة التي ألحقها بالمرأة ستُحسن إليها كثيرا، لأن الألم يطهّر النفس ويسمو بالروح، ومن الخير أن تحمل هذه المرأة معها هذه الاهانة الأليمة إلى الأبد.
إن هذه الرواية القصيرة لدوستوفسكي شكلت صدمة بالغة للوعي الإنساني، ومن نَسْغِها وُلدت أعمال فلسفية وإبداعية، ورغم مرور أزيد من قرن ونصف على صدورها، إلا أنه في كل مرة يتم الرجوع إليها كما لو أنها معاصرة، كما لو أنها تتناول أسئلة وهموم الحاضر، وتلك هي عبقرية دوستوفسكي.




