سيرة كتاب..رواية “عالم جديد شجاع” لألدوس هكسلي

تعد رواية “عالم جديد شجاع” للروائي الانجليزي ألدوس هكسلي أحد أهم الأعمال التي أسست ل”أدب الديستوبيا”، وهو أدب يقوم على مجتمع خيالي، غير فاضل، تسوده الفوضى، ويتحكم فيه الشر، في عالم يتجرد فيه الإنسان من إنسانيته، ليصبح مجرد رقم يشغل حيزا حُدّد له سلفا وسط القطيع، وغالبا ما يكون مجتمع الديستوبيا نتاج أنظمة وحكومات شمولية تعمل على التحكم في كل شيء.
وتعني الديستوبيا في اللغة اليونانية “المكان الخبيث” أو المدينة الفاسدة، وهي عكس المكان الفاضل أو المدينة الفاضلة، ولقد ظهرت العديد من الأعمال الإبداعية قائمة على الخيال تصور مثل هذه المجتمعات في المستقبل، من قبيل “عالم جديد شجاع”، و1984 لجورج اورويل، و”فهرنهايت451” للروائي الأمريكي “راي برادبري” والتي تحكي عن قصة نظام شمولي يقوم بغزو العالم في المستقبل ويجعل التلفزيون وسيلة دعاية سياسية له ويقوم بحرق الكتب على درجة 451 فهرنهايت، ورواية “كالوكين” للروائية السويدية “كارين بوي” التي تحكي تفاصيل دولةٍ مستقبليّةٍ مفترضةٍ اسمها “الدولة العالمية”؛ وهي دولةٌ بوليسيةٌ تتحكَّم في أدقِّ تفاصيل حياة الفرد وعلاقاته بمن حوله، وحتَّى علاقته بزوجته وأولاده، ولمزيد من التحكم يستعمل عقارا اخضرا يجعل المتّهمَ يعترفُ بكل ما احتفظ به لنفسه من أسرار لا يمكن أن يبوح بها أمام الملأ.
تدور أحداث رواية “عالم جديد شجاع” في المستقبل، وبالضبط سنة 632 (بعد فورد)، يتم التأريخ هنا بتاريخ استخدام “هنري فورد” مؤسس شركة فورد الامريكية للسيارات ل “نظام خطوط التجميع” في صناعة السيارات، والذي طور الفكرة بإيجاد الأحزمة الناقلة، والتي مكنته من إنتاج الموديل (تي T) في 93 دقيقة فقط للسيارة الواحدة، بعدما كان ينتج ثلاث سيارات في اليوم، وأحدث ذلك طفرة نوعيه في مجال صناعة السيارات، فتحولت من كونها تحفة باهظة الثمن، إلى وسيلة نقل متاحة أمام الأمريكيين من الطبقة الوسطى وهو ما أحدث ثورة في وسائل النقل والصناعة الأمريكية بصفة عامة.
تبدأ أحداث الرواية من مركز لتفريخ وتكييف الأطفال بلندن، حيث يستقبل مدير المركز بعثة طلابية يشرح لهم كيف تتم عملية تفريخ الأطفال في الأنابيب، وإخضاعهم لبرمجة جينية، ويشاهد الطلاب رفوف تجميع الأجنة، باستخدام أحدث الأجهزة والنظريات العلمية.
يشرح المدير للطلبة أن البشر لم يعودوا يولدون من أب وأم، بدلا من ذلك، تنتج المَبَايِضُ التي تمت إزالتها جراحيا بويضات، يتم تخصيبها في أوعية صناعية وحضانات مصممة خصيصا لذلك، ثم تخضع الأجنة المخصصة لطبقات “جاما ودلتا وإبسيلون”، لعملية بوكانوفسكي، التي تقوم على تعريض البويضة الملقحة لصدمات كهربائية، لكي تنقسم إلى 96 جنينا، كلهم متشابهون.
ويتم تقسيم الأجنة إلى خمس طبقات، بحيث يتم تفريخ الأطفال وفق معايير معينة تحدد خصائص كل طبقة من الطبقات الخمس؛ وتجعل التقسيم الطبقي بين الناس قائم على مواصفات جينية قبل ولادة الأطفال، فنجد في أعلى الهرم طبقة “ألفا وبيتا” وهما طبقتين قليلتي العدد، يتميز أفرادهما بالذكاء وصحة جيدة، وهم في مستوى أعلى اجتماعيا ومعرفيا، من هاتين الطبقتين يخرج العلماء وقادة العالم والحكومات. ثم طبقة “جاما” وهي الطبقة التي يخرج منها الذين يقومون بالأعمال المكتبية والادارية، ثم طبقة “دلتا” وهي الطبقة التي ينتمي إليها من يقومون بالأعمال اليدوية في المجتمع التي لا تتطلب مجهودا ذهنيا، ثم طبقة “إِبْسِيلون” وهي الطبقة الأكثر عددا وتشكل أغلبية الشعب والتي تقبع في أسفل الهرم.
شرح هنري فوستر، وهو أحد المسؤولين في مركز التفريخ، للطلبة دور المركز قائلا: “إنهم لم يكتفوا بالطبع بتفريخ الأجنة، فهذا عمل يمكن أن تقوم به أي بقرة ، إننا نحدد أقدار الأجنة ونكيّفهم، نحن نفرخ أطفالنا ليصبحوا اجتماعيين، أو ليصبحوا من سلالة “الألفا” أو “الإبسيلون”…”
تتلقى أجنة الابسيلون كمية قليلة من الأوكسجين حتى يتحكموا في نمو أدمغتهم، فكلما كان الاوكسجين قليلا بالنسبة للجنين كلما تأثر دماغه سلبا فينتج طفلا محدود الذكاء، وهذا هو المطلوب في أفراد طبقة أسفل الهرم، بينما تتلقى أجنة “الالفا” ظروفا جيدة، ويولدون بمعدلات ذكاء عالية، ويلقح أطفالها ضد كل الأمراض، ليصبحوا صفوة المجتمع أعلى الهرم.
يتم تكييف أطفال الطبقات الدنيا على كره الكتب والورود، ويخضعونهم لتجارب مخبرية يزرعون فيهم “الفوبيا” من الكتب حتى يتفادوا الاقتراب منها، يضعون الرضع وهم في عمر الثمانية أشهر في صالة، ويضعون أمامهم كتبا ملونة و ورودا، ويتركونهم يَحْبون باتجاه تلك الكتب، وكلما لمسوها يتعرضون لصعقة كهربائية مؤلمة، مُرْفَقَةٌ بأصوات انفجارات مرعبة، فيتشنج الأطفال ويتراجعون على لمس الكتب والورود لتفادي الألم والضجيج، هكذا يكبر هؤلاء الرضع وهو يكرهون الكتب والأزهار.
لماذا الكتب؟ لأن المتحكمين في إدارة هذا العالم الجديد لا يريدون لأفراد الطبقات الدنيا أن يقرأوا أو يشغلوا أذهانهم بأشياء أخرى غير تأدية العمل المطلوب منهم بشكل روتيني وفق نظام لا مجال فيه للخطأ. أما الورود، فيمنعونها على الأطفال حتى يقطعوا أي صلة لهم بالطبيعة، ولا يضيعون الوقت في تفاهة حب الطبيعة، وكلما قُطعت صلة الإنسان بالطبيعة تعاظمت لديه نزعة الاستهلاك، وهذا ما يريده نظام العالم الحديد: أفراداً خاضعين لا يقرأون ولا يفكرون، ويستهلكون بِشَرَهٍ.
كما يقومون بتطبيع أطفال الطبقات الدنيا مع الموت، حتى يصير بالنسبة إليهم حدثا عابرا منزوعا من أية مشاعر، فيقومون باصطحاب الأطفال إلى غرف الاحتضار في المستشفيات، يشاهدون المرضى يحتضرون، ويناولونهم الشوكلاطا، هكذا مع التعوّد يصبح الموت بالنسبة إليهم حدثا يعادل حلاوة الشكلاطا
على أفراد مجتمع العالم الجديد أن يعيشوا السعادة، وإن تعذرت عليهم، فالنظام اخترع عقارا اسمه “السوما” يمنح السعادة الوهمية لمن يتناوله، لقد صمّم مسؤولو نظام العالم الجديد هذا العقار ليعوض نشوة الخمر والغذاء الروحي الذي يمنحه الدين للإنسان، وفي العالم الجديد تلغى الأديان وتُمنع الخمر، ويستعيضون عنهما لتحقيق مزاياهما بهذا العقار، هذا العقار بالنسبة إليهم طريقة للاستفادة من مزايا الدين والخمر دون استهلاكهما، حتى يتجنبوا اضراررها وآثارها السلبية.
إن الفرد في العالم الجديد تكاد تنعدم شخصيته تامًا، ففي هذا العالم الكل يجب أن يكون سعيدا لكنه معدوم الحرية، إذ تنتفي الفردية والاختلاف الشخصي والانتقال من حال إلى حال، او الرغبة في تغيير الأوضاع… والشعار الذي يؤطر هذه النظام المجتمعي هو: (الجماعة، التشابه، والاستقرار)، ولا شيء خارج إطار هذا الثالوث، وإذا أردت شيئًا في العالم الجديد فإنك لا تفكر فيه ولا تسعى إليه، إنما يكفيك أن تضغط على زر أو تدير مقبض، ليكون لك ما تريد.
الحقيقية أن ألدوس هكسلي من طينة المبدعين الذين لهم القدرة على استشراف المستقبل بقراءتهم الفذة والعميقة الواقع، فها نحن نرى العديد من تجليات العالم الذي شيده على الخيال العلمي تتحقق في الواقع، فمن التعديل الجيني إلى الذكاء الاصطناعي إلى مواقع التواصل الاجتماعي ودورها في فرض الهيمنة على عقول الناس لإعادة توجيهها، وكذا نزوع الأنظمة السياسية إلى التحكم في شعوبها بتوظيف التكنولوجيا. أنها رواية تشرح مستقبل الإنسانية في ظل سيطرة النظام المهووس بتحقيق الأرباح والتحكم في رقاب الناس وتوظيف نتائج العلم والتقنية بمعزل عن أي مرجع أخلاقي أو إنساني.




