سيرة كتاب..أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة لفريديريك انجلز

صدر كتاب ” أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة” للفيلسوف الألماني فريديرك انجلز سنة 1884، وهو كتاب يتناول أبحاث الانتروبولوجي الامريكي لويس هنري مورغان في كتابه “المجتمع القديم”، الذي صدر سنة 1877، حيث تضمّن كتاب مورغان دراسة وافية للمصادر الاغريقية والرومانية الكلاسيكيَّة. وأسهب في شرح نظريته حول التطور الاجتماعي، كما خلص إلى وجود علاقة جوهريَّة تربط ما بين التقدم الاجتماعي والتقدم التقني، وأكَّد على ما اعتبره الدور المركزي الذي تمارسه العائلة وكذلك علاقات الملكية، وتتبع التفاعل الحاصل بين تطور كل من التقنية والعلاقات العائليَّة وعلاقات المِلكِيَّة والبُنى الاجتماعيَّة الأكبر ونظم الحكم والتطور الفكري.
قسم مورغان تاريخ وجود الإنسان على هذه الأرض إلى ثلاث مراحل أساسيَّة هي البدائية والبربرية والمتحضرة، وكل مرحلة تمر بثلاثة أطوار، وقسَّم وعرَّف كل طور من هذه الاطوار تبعاً للاختراعات التقنيَّة التي سادتها.
وكان ماركس معجباً جداً بكتاب عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي، لدرجة أنه بين عامي 1880 و 1881 قام بنسخ وتلخيص مقتطفات مطولة من كتاب مورغان في دفاتر ملاحظاته، والتي نُشرت لاحقاً بعد وفاته باسم “الدفاتر الإثنولوجية”. كان ماركس عازما على تحرير كتاب كامل يتناول اكتشافات مورغان، لكن؛ مع اعتلال صحته ثم وفاته في عام 1883، لم يُكتب لهذا الطموح أن يتحقق، فوضع رفيقه أنجلز على عاتقه مهمة تحقيق طموح ماركس، فانكب على دراسة الكتاب دراسة وافية، وفي غضون عام بعد وفاة ماركس، كان انجلز قد نجح في تحرير ونشر كتاب “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة”.
ويقول انجلز عن كتاب مورغان أنه “أعاد اكتشاف النظرية المادية للتاريخ بطريقته الخاصة في أمريكا، وهي النظرية التي اكتشفها ماركس قبل ذلك بأربعين سنة، وقد عقد مورجان مقارنة بين مرحلتي البربرية والحضارة، توصل فيها، عن طريق النظرية المادية، إلى نفس النتائج التي توصل إليها ماركس في النقط الرئيسية”.
ويتكون كتاب “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة” من تسعة فصول، استهله بفصل يتحدث فيه عن مراحل التطور ما قبل التاريخ، واعتمد فيه على النتائج التي خلص اليها مورغان في كتابه، لأنه بالنسبة إليه يعد مورغان أول شخص ذو معرفة صحيحة حاول أن يقدّم تقسيما دقيقيا لمراحل حياة الانسان فيما قبل التاريخ.
وقسم مورغان عصور تطور الإنسان إلى ثلاثة حقب أساسية هي: البدائية، البربرية، المدنية أو التحضر، وكل حقبة تمر بثلاث مراحل هي: الدنيا، ثم الوسطى ثم العليا.
فالمرحلة الدنيا في حقبة البدائية التي يسميها انجلز “طفولة الجنس البشري” كان الإنسان ما زال يعيش في الكهوف وداخل الأشجار، وكان يعاني من غارات الحيوانات المفترسة، وكان أكله يقتصر على أكل الفواكه ومنتجات الطبيعة، ويعرف عن هذه المرحلة أنها قد تكون استمرت آلاف السينين وهي مرحلة لم يوجد فيها أي من الشعوب التي عرفها التاريخ.
اما بالنسبة للمرحلة الوسطى من حقبة البدائية فتميزت باستخدام النار في الطهي وصيد الاسماك مما اضطر معه الإنسان إلى البحث عن الغذاء بتتبع سواحل الأنهار والبحار فبدأ في الانتشار في الأرض.
ثم المرحلة العليا التي بدأت باختراع القوس والسهم، وأصبحت غنائم الصيد عنصرا أساسيا في الطعام، واضحى الصيد مهنة منتشرة. وكانت الشعوب في هذه الفترة رغم تعودها على استعمال القوس والسهم، لم تصل بعد إلى فن صناعة الآنية الذي يعتبره مورغان نقطة الانتقال من مرحلة البدائية الى مرحلة البربرية.
هكذا انتقل مورغان إلى توصيف كل مراحل الحقب الأخرى، معتمدا في تصنيفه على تطور الإنتاج البشري وانعكاسه على تطور أساليب حياته.
ويتطرق انجلز في كتاب لموضوع أصل العائلة، كيف نشأت لأول مرة وكيف تطورت؟ ويخلص إلى أن الظهور الأول للأسرة كان مع ظهور الملكية الخاصة التي ترافقت باكتشاف الزراعة وبدء تملك الأرض والمساكن بجانب الأراضي الخصبة ومنابع المياه، حيث أنه قبل اكتشاف الزراعة لم يكن هناك ملكية خاصة لان طعام الإنسان كان يقتصر على ما تجود به الطبيعة من الأسماك والثمار وهي لمن يحصل عليها فلا مالك لسمك النهر ولا لثمار الأشجار. والأسرة في الحقبة البدائية كانت تُعرف من الأم التي ينسب لها الأبناء، لأنه يكن هناك أب حقيقي معروف، وكان المجتمع مجتمعا أموميا، ومعظم الآلهات حينها كانت مؤنثة من أشهرهن الإلهة “عشتار”. لكن بعد ذلك، وبعد الانفكاك من زواج الأقارب، بدأت تنشأ علاقات زواج ثنائية بين رجل وامرأة، قد تدوم طويلا او قصيرا، ومن هنا بدأت النساء حسب انجلز يخسرن موقعهن الاجتماعي المتميز، وترافق هذا الانتقال مع انتشار الزراعة وظهور الملكية الخاصة، فانتقل الإنسان من مجتمع امومي إلى مجتمع أبوي يملك فيه الأب السلطة والقرار.
يقول أنجلز: “لقد كان الصياد المحارب في عصر البدائية قانعا بأن يشغل المكان الثاني في بيته ويترك القيادة للمرأة، أما الراعي المسالم فقد اعتمد على ثروته للوصول إلى المكان الأول في البيت، ودفع المرأة بالمرأة إلى المكان الثاني، ولم تستطع المرأة الاعتراض. ونظّم تقسيم العمل في المنزل توزيع الملكية بين الرجل والمرأة، وقلب هذا التقسيم العلاقات المنزلية السابقة رأسا على عقب، لأن تقسيم العمل خارج العائلة كان قد تغيّر، (…) وفقد العمل المنزلي قيمته مقارنة بعمل الرجل في كسب العيش، فقد كان كسب العيش هو كل شيء، واصبح عمل المرأة مساهمة تافهة” ويخلص انجلز من كل هذا أن تحرير المرأة لا يصبح “ممكنا إلا عندما تتمكن المرأة من المساهمة في الإنتاج على نطاق واسع”.
يؤكد انجلز ان العائلة نشأت متزامنة مع نشوء الملكية الخاصة، ومع العائلة والملكية الخاصة بدأت تنتشر تجمعات بشرية قائمة على العشيرة للتعاون ضد الحيوانات المفترسة والدفاع المشترك عن الأرض، وتتطور التعاون الى النظام القبلي الذي تميز بصراعات حادة مدمرة على ملكية الأراضي الخصبة وموارد المياه، حينها اخترع الإنسان فكرة الدولة للحد من هذه الصراعات، يقول انجلز: ” الدولة ليست بحال قوة مفروضة على المجتمع من خارجه. والدولة ليست كذلك “واقع الفكرة الأخلاقية”، “صورة وواقع العقل” كما يدعي هيغل. الدولة هي نتاج المجتمع عند درجة معينة من تطوره؛ الدولة هي إفصاح عن واقع أن هذا المجتمع قد وقع في تناقض مع ذاته لا يمكنه حله، عن واقع أن هذا المجتمع قد انقسم إلى متضادات مستعصية هو عاجز عن الخلاص منها، ولكيلا تقوم هذه المتضادات، هذه الطبقات ذات المصالح الطبقية المتنافرة، بالتهام بعضها بعضا والمجتمع في نضال عقيم، لهذا اقتضى الأمر قوة تقف في الظاهر فوق المجتمع، قوة تلطف الاصطدام وتبقيه ضمن حدود “النظام”. إن هذه القوة المنبثقة عن المجتمع والتي تضع نفسها، مع ذلك، فوقه وتنفصل عنه أكثر فأكثر هي الدولة”.




