سيرة كتاب..أربع ساعات في شاتيلا لجان جينيه

“أربع ساعات في شاتيلا” نصٌ مطولٌ كتبهُ الشاعرُ والروائيُ الفرنسيُ جان جنيه، يرصُدُ من خلاله معاينته المباشرة لآثار العنف الوحشي للمجزرة المروعة التي ارتكبتها القوات الصهيونية بتحالف مع عناصر حزب “الكتائب اللبنانية” في مخيم صبرا وشاتيلا يوم الخميس 16 شتنبر 1982، بعد أن تمكن جينيه من زيارة المخيم في اليوم الثالث من المجزرة والجثث ما زالت ملقاة على أرصفة المخيم.
نُشر النص في مجلة “الدراسات الفلسطينية” باللغة الفرنسية، ثم نُشر في العدد السابع لمجلة الكرمل سنة 1983 بترجمة من محمد برادة، وصدر أيضا في العدد الأول لمجلة “المواجهة” في ذات السنة، بترجمة مشتركة لِرِضْوى عاشور وأمينة رشيد، وصدر بعد ذلك في كتاب مستقل.
وبعد 20 سنة من نشره، تم تحويله إلى مسرحية من بطولة الفنانة المغربية الراحلة ثريا جبران وإخراج زوجها عبد الواحد عزري، كما قدمتها على خشبة المسرح الفنانة اللبنانية رولا عبود سنة 2014، وأيضا قدمتها فُرق مسرحيةٌ في العراق وتونس وغيرها.
وتميزت كتابات جنيه بجرأتها الكبيرة وتمردها على أقانيم الكتابة في أوربا، فمن “يوميات لص” إلى “أسير عاشق” والذي صدر بعد وفاته، كانت نصوصه تتمرد على القوالب الشكلية، كما كان يتناول موضوعات لم تطأها أقلام الكتاب الأوربيين، فمن الدفاع عن الفهود السود في أمريكا، إلى الدفاع عن الثورة الجزائرية، والمهاجرين في بلده فرنسا، إلى الدفاع عن القضية الفلسطينية، إذ عاش مع الفدائيين الفلسطينيين في بداية السبعينات في مخيمات الأردن، كانت ثمرة هذه التجربة كتابه “أسيرٌ عاشقٌ”، وعاش معظم وقته بعد ذلك في المغرب متنقلا بين طنجة والعرائش، وقد كتب محمد شكري عن حياته في طنجة في كتابه “جان جنيه في طنجة، تينسي وليامز في طنجة”.
قدم جنيه في هذا النص مرافعةً قوية ضد الظلم والطغيان ووحشية الكيان الصهيوني، فقد وصف الفظائعَ كما رآها خلال الأربع ساعات التي أمضاها داخل المخيم بين الجثث ورائحة الموت، دون محاولة تلطيف كلماته كي لا تصدم القارئ، فالواقعُ كان أعقد من أن تنقله الكلماتُ، وبإزاء وضع كهذا، لابد من نقل الحقائقَ بلغةٍ مباشرةٍ وقاسيةٍ قد تثير الغثيانَ في من لم يَأْلف مشهدَ الجثثِ المُلقاةِ على قارعة الأزقة الضيقة والذبابُ الأزرقُ يحوم حولها.
أولُ جثةٍ صادفها جينيه وهو يدخل المخيم كانت لرجل مسن، بجمجمة تحمل جرحا غائرا: “أول جثة رأيتها كانت لرجل في الخمسين أو الستين من عمره، وكان مهيأً ليكون له إكليلٌ من الشعرِ الأبيض، لولا أن شرخاً (ضربةُ فأس، فيما خيّل إلي) قد فتح جمجمته. جزءٌ من النخاع المُسوّد كان مُلقى على الأرض إلى جانب الرأس. وكان مجموع الجسد مسجىً فوق بقعة من دم أسود ومُخثر. لم يكن الحزام مشدوداً. والبنطلون ممسوك بِصَدْفَةٍ واحدة. كانت رِجْلاَ الميت وساقاه عارية، سوداء، بنفسجية وخُبازية اللون، ربما فُوجئ في الليل أو عند الفجر؟ هل كان بصدد الهرب؟ كان راقدا في زقاق ضيق إلى اليمين مباشرة من مدخل مخيم صبرا وشاتيلا المواجه للسفارة الكويتية”
ويسترسل جنيه في وصف الجثث وأثار التعذيب الوحشي الذي مورس عليها، جثث أخرى ليست أقل بشاعة، منها جثةُ رجلٍ في الثلاثينات من عمره، منتفخةٌ بفعل الشمس والحرارة، تحولتْ ملابسُه إلى مجرد قماشٍ ممزقٍ يغطي جسمَه المنتفخَ بسبب التعذيب، الجزءُ الوحيدُ من وجهه الذي تمكن من رؤيته كان بنفسجيا وأسود، وفوق الركبة بقليل كان فخده المثنية تكشف جرحا تحت الثوب الممزق، خَمَّن أنه ناتج عن خنجرٍ أو فأسٍ أو حَرْبَةٍ، وكان الذبابُ يحوم حول الجرحِ ويتغذى على بقايا اللحمِ المتعفنِ.
أحد المشاهد الأكثر إيلامًا وقسوة كانت لجثة فلسطينية مسنّة، كانت ممددةً على الأرض وسط الركام، ويدها مربوطةً بحبل مع ذراعها الآخر وكأنها مصلوبةٌ. وجهها مفتوحٌ، وفمها يغطيه الذبابُ، وأصابعها العشرةُ مقطوعةٌ وكأنما قُطعت بمقص بستانيٍ حادٍ، يُعلّق جينيه على هذا المشهد قائلًا: “لم أكن قد لاحظت ذلك، فأصابع يديها، كانت مِرْوَحِية الشكلِ، والأصابعُ العشرةُ مقطوعةٌ كما لو قطعها مقص بستاني، لا شك أن جنودا قد استمتعوا وهم يكتشفون هذا المقص ويستعملونه، ضاحكين مثل أولاد وهم يغنون فرحين“
لم يكن العنفُ في مجزرة صبرا وشاتيلا مجردَ قتلٍ وتصفيةٍ جسديةٍ، بل كان وجبةَ تعذيبٍ غارقةٍ في الوحشيةِ والساديةِ، وقد سجّل جينيه كيف جُرّتْ الجثثُ وعُذِّبتْ بوحشية؛ بعضها مربوطٌ بحبال، وسُحِبت عبر الأزقة قبل أن يُتَخَلّص منها بطرق مُهِينةٌ. كانت حفلةُ تعذيبٍ وحشيةٍ نُفِّذتْ بدم بارد.
حتى قبورُ الموتى لم تَسلم من الوحشيةِ، يقول جنيه: “مر رجلٌ مسنٌ وهو يُسرع الخطوَ
– إلى أين أنت ذاهب؟
– لأبحث عن مساعدة. إنني حفارُ قبور، وقد قَنْبلوا المقبرةَ، فتناثرت في الهواء جميعُ أعضاء الموتى.. يجب أن تساعدوني في جمع العظام”
ويدين جنيه الصمتَ والتواطؤ الأوربي الذي يبيح قتل الفلسطيني وتعريضه لتعذيب وحشي، ولا يكتفي بإدانة الساسة فقط، بل يدين حتى الصحافيين الأوربيين الذين يتلكؤون عن نقل الحقيقة، وينقلون بدل ذلك روايات تساعد إسرائيل على التخلص من الاتهامات:“وسيكون جد سهل على اسرائيل أن تتلخص من كل الاتهامات، فقد شرع، ومن الآن، صحفيون، في جميع الصحف الأوربية، في تبرئة ذمة الإسرائلين: لا أحد منهم سيقول بأن الحديث، خلال ليلتي الخميس والجمعة، كان يدور بالعبرية داخل مخيم شاتيلا”
لقد كان جينيه أولَ أوروبي وغربي يعرض الوجعَ الفلسطيني الذي عاينه مباشرة في شاتيلا، وقدم في نصه شهادة تحمل نوعا من تسامي الجمال في مواجهة الموت المحتم، ولم يكتب شهادته بلغةِ رثاءٍ وعويلٍ، وإنما كتبها بلغةٍ فاضحةٍ لوحشيةِ المجزرةِ، لغةٌ أرادها أن تنقل الواقعَ بكل عنفوانه، الواقعُ الذي لا يمكن أن تنقله الصورة الفوتوغرافية، يقول جنيه: إن الصورة الشمسية لا تلتقط الذباب، ولا رائحة الموت البيضاء والكثيفة. إنها لا تقول لنا القفزات التي يتحتم القيام بها عندما ننتقل من جثة إلى أخرى”
ويضيف جنيه متحدثا عن نصه: ما كتبته “ليس رواية، لأنني كنت فعلًا هناك، أي في شاتيلا.. إن كلمة رواية تحيلني فورًا إلى الحلم، وإلى ما هو متخيّل، لذلك أعتبر “مدام بوفاري” رواية، أما نصّي عن شاتيلا فهو شهادة واقعية… النص الذي كتبته عن شاتيلا لم أكتبه بأفكار مني، بل كتبته بكلمات هي كلماتي، لكن لكي أتحدث عن واقع لم يكن واقعي، ولكوني لا أتحكم فيما شاهدته بالعين المجردة، كان عليّ أن أكتب: لقد شاهدتُ أناسًا موثقي الأيدي والأرجل، وشاهدتُ عجوزًا قُطعت أصابعُها.”
ويخلص جنيه بعد زيارته للمجزرة ومعاينته لمشاهد الوحشية والتعذيب البادي على الجثث قائلا: “أحسستني لأول مرة في حياتي، أصير فلسطينيا وأكره إسرائيل“.




