فن وثقافة

سيرة كتاب..رواية النباتية لهان كانع

“النباتيةُ” روايةٌ للكاتبةِ الكوريةِ “هان كانغ” التي فازت بجائزةِ نوبل للآداب لهذه السنة، وسبق للكاتبة أن فازت بجائزة “مان بوكر” عن هذه الرواية سنة 2016 بعد ترجمتها إلى الانجليزية.
صدرت الرواية في كوريا سنة 2007، وتُرجمت إلى الاسبانية سنة 2012، ثم تُرجمت سنة 2015 إلى الانجليزية على يد “ديبورا سميث” ، وترجمت إلى العربية سنة 2018 على يد محمود عبد الغفّار.
تحكي الرواية قصة “يونغ هي” شابةٌ متزوجةٌ في الثلاثينات من عمرها، والدُها كان جندياً في حرب الفيتنام، لها أخت كبرى وأخ أصغر، متزوجةٌ برجل يعمل في إحدى الشركات، اختارها لتكون زوجتَه لأنها امرأةٌ عاديةٌ، لا شيء مميزٌ فيها، هكذا أراد أن تكون زوجتُه حتى تظلَّ تحت تصرفِ يده، فلا جمالَ قد يجعلها تتعالى عليه، ولا مالَ أو تكوين أكاديمي قد يجعلها تتفوق عليه.
وبعد حياةٍ هادئةٍ امتدت لخمس سنواتٍ من الزواج، فجأةً انقلب كلُّ شيء رأسا على عقب، هذا الانقلابُ عبّرتْ عنه الجملةُ الاستهلاليةُ للروايةِ: “لم أكن أرى شيئا مميزا في زوجتي قبل أن تصبحَ نباتيةً”، وهي الجملةُ التي قارنها العديدُ من الدارسينَ والقرّاءُ بأشهرِ استهلال في تاريخ الرواية الذي جاء في رواية “المسخ” لكافكا:” إذ استيقظ غريغور سامسا ذاتَ صباحٍ على اثر أحلامٍ سادها الاضطرابُ، وجد أنه قد تحوّل، وهو في سريره، إلى حشرةٍ عملاقةٍ”.
بطلةُ روايةُ “النباتيةُ” هي أيضا حدثَ لها هذا التحوّلُ الدراماتيكِيُّ على اثر كابوسٍ جثمَ عليها ليلا، ولما استفاقتْ في الصباح، أولُ قرارٍ أَقْدَمتْ عليه، قامتْ بإفراغ ثلاجتها من اللحوم، وقررت من الآن فصاعدا لا لحومَ على مائدة الطعام ولا لحومَ في المنزل، وقَصّتْ الحلمَ الذي رأته ليلاً لزوجها قائلةً: “أحدُهُم قتل شخصا، وثالثٌ أخفى المقتولَ، عندما استيقظتُ من نومي كنت قد نسيتُ إن كنتُ أنا التي قَتلتْ شخصا ما، أو أنّني أنا التي قُتِلتْ. لو أنني القاتلةُ، فمن قتلتُ إذن أهو أنتَ ربما، أم شخصا آخر مقرّبا مني؟ أو ربما قَتلتَني أنت، إذا من الذي أخفى الجثة؟ إنني واثقة بأنه ليس أحدنا.”
وبعد شهورٍ من محاولةِ زوجِها التعايشَ مع هذا التحوّلِ الذي حدث لزوجته، إلى أن أقامت الشركةُ التي يشتغل لحسابها حفلَ عشاءٍ، حيث اصطحب زوجتَه إلى مأدبةِ الحفلِ التي كانت باذخةً، تتضمّن اللحومَ والأسماكَ بمختلف الأنواعِ وبمختلف طُرقِ الطَّهْيِ، غير أن زوجتَه رفضتْ بشكل قاطعٍ أن تأكلَ من أي طبق يحتوي اللحمَ، وبل حتى وان كان الطبق مَسقيّا بمرقِ اللحمِ، اكتفتْ ببعض الخضر الطازجة، بينما كان الضيوفُ يتلذّذون بأكل اللحومِ بمختلف أنواعها، وينظرون بسخريةٍ وريبٍ إلى زوجته، إلى هنا لم يستطع الزوجُ أن يصبر أكثر على مآل زوجته، فقرّر أن يُهاتف أسرتها ليخبرهم بما آلت إليه زوجتُه.
بعد أيام قليلة اجتمعت الأسرة؛ الأبُ والأمُ وأختُها الكبرى وزوجُها وشقيقُها الأصغرُ، اجتمع الجميعُ على مائدة الطعامِ، ومن عادة الكوريين عامة وهذه الأسرة خاصة، أن تتضمن موائدُهم أطباقَ اللحومِ ومختلفَ المقبّلاتِ.
شرع الجميعُ في الأكلِ إلا هي، حاولوا معها في البداية إقناعَها بضرورة تناولِ اللحومَ وإلا ستسوء حالتُها الصحيةُ، لكنها كانت ترفض طلبَهم بهز رأسها أو بكلمات قليلة: “لا أريد أن أكل”، فاستشاط والدُها غضبا، نَهرها وحاولَ أن يُرغمها على أكلِ قطعةَ لحمٍ، لكنها أصرّت على الرفضِ، فحاول إدخالَ قطعةَ اللحمِ بقوة في فمها، لكن أسنانَها ظلّت متماسكة ولم تترك أي مجالٍ لإدخالِ قطعةَ الطعامِ، حينها هوى عليها بصفعةٍ قويةٍ ارتجّ لها خدُّها، فانقضّتْ على سكينٍ، وتراجعتْ قليلاً إلى الوراءِ، وقامت بقطع شرايينَ يدها في محاولةِ انتحارٍ أمامَ الأسرةِ المجتمعةِ على مائدة الطعامِ، فارَ الدم بغزارة من يدها، وهرع زوجُها وزوجُ أختِها لنقلها إلى المستشفى، وتمكنوا من إنقاذها من الموت، بينما صارت الأسرةُ تعيش مأساةً لم تَدُرْ يوما في خُلدها.
وبعد تلقّيها للإسعافاتِ الضروريةِ، انسلّت خارجَ المستشفى، وانْتَبَذَتْ كرسيّاً في حديقتها، وقامت بتعريةِ نصفها الأعلى وهي تعرض صدرها للشمس، إلى أن افتقدها أفرادُ أسرتها وطاقمُ المستشفى فهرعوا للبحثِ عنها، فوجدوها على هذه الحالةِ، أعادوها للمستشفى، وأحالوها على قسمِ الأمراضِ العقليةِ والنفسيةِ.
على إثر ذلك قرر زوجُها الطلاقَ، وبعد أن أمضت مدة غير قصيرةٍ في مستشفى الأمراضِ العقليةِ، ذهبت لتعيش مع شقيقتها التي تُدير محلاًّ لمستحضرات التجميل، وزوجها فنان تشكيلي ومصوّر، بعد قضاء شهرٍ معهما في المنزلِ، انتقلت لتعيش لوحدها في منزلٍ صغير.
بعدها اقترح عليها زوجُ أختها الفنانُ أن تعمل موديلاً لأحد أعمالِه الفنيةِ بدون علم زوجته، قبلتِ المقترحَ دون تردّدٍ ولا تفكيرٍ، فضرب لها موعدا في استوديو أحد أصدقائه، وجاءت في الموعد المحددِ، وصارت خاضعةً له، مستعدةً أن تُنفّذ كلَّ ما يطلبه منها، فطلب منها أن تتخلّص من ثيابها تماما، ثم قام برسم أزهارَ وورودَ على كل جسدها وهي عاريةٌ، ثم قام بتصوريها بالفيديو.
تطور الأمرُ إلى أن أقام معها علاقةً جنسيةً مستغلاً كونها صارت تظن أن تلك الأزهارُ التي رسمها على جسدها، طردت الكوابيسَ التي ظلت تحوم عليها منذ الكابوسِ الأولِ.
بعدها ستكتشف أختُها الأمرَ حين ضبطتهما متلبسَيْنِ، فقامت بإبلاغ مستشفى الأمراضِ العقليةِ بوجود شخصينِ مختلّين في وضعٍ حميمي، وتم نقلهما فعلا إلى المستشفى، وبعدها سيختفي زوجها، تاركا زوجته وحيدة مع ابنهما، بينما ظلت “يونغ هي” في مستشفى الأمراض العقلية.
صارت أختُها تزورها في المستشفى، وصارت “هي” مضربةً عن الطعام بصفة عامة وليست اللحومَ فقط، صارت لا تشربُ إلا الماءَ، وشرعت تُقْدِمُ على سلوكيّاتٍ وتصرفاتٍ غريبة، كأن تقف على يديها ورجليها إلى الأعلى، وتتصور نفسَها تتحول إلى شجرة، فتتوهم أن أن يديها هما جذع الشجرة، بينما تنبتُ الأغصانُ وأوراقُ الشجرةِ من باقي أطراف جسدها، وكانت تردّد على مسامع أختها وطاقم المستشفى أنها لا تحتاج إلاّ الماءَ والشمسَ، وليست في حاجة إلى أي طعام آخر، فهذا ما تحتاجه الأشجارُ فقط. وبعدها قررت إدارة المستشفى نقلها إلى مستشفى أخر في العاصمة “سيول”، وسترافقها أختها الكبرى على متن الاسعاف، وهنا تقف الرواية دون أن نعلم مصيرهما إلى أين انتهى.
تتكون الروايةُ من ثلاثةِ فصولٍ؛ الفصلُ الأول يتحدث عن زوجها، وهو الذي تولى سردَ اغلبَ أحداثِ هذا الفصل، بينما الفصلُ الثاني خُصص لزوج أختها، والفصلُ الثالث لأختها، فيما ظلت هي حاضرةً على امتداد الفصولِ الثلاثةِ.
في الحقيقة، إن امتناعَ شخصٌ ما عن أكل اللحمِ لا يستدعي كل هذه المآسي والعواصف التي زعزعت أركان الأسرة، بيد أن الذي زعزع الأسرةَ ليس الإضرابَ عن أكلِ اللحم، بل الخروجَ عن قوالب المجتمع والأسرة، ذنب ” يونغ هِي” أنها أرادت أن تكون مختلفةً عنهم ولو قليلا، لكن كان مصيرها العنفَ واتهامها بالجنون، كما أن زوجَ أختها الفنانَ الذي كان يُفترض فيه أن يتعاطف معها بوصف الفنانَ عادةً هو صاحبُ إحساسٍ مُرْهفٍ، غير أنه ذهب عكس ذلك، إذ عمل على استغلالها مرتين؛ مرةَ عندما جعلها موضوعا لفنه، ومرةً ثانية حينما استغلها جنسيا.
لقد برعت الكاتبةُ في التنديد بالعنف وتقاليد المجتمع الكوري الغارقةِ في الرجعية؛ تلك التقاليدُ التي تسمح للأب أن يصفع بقسوة إبنته المتزوجةَ أمام زوجها وأفرادِ الأسرة المجتمعين على مائدة الطعام، وأيضا التنديد بالحَجْرِ على اختيارات الناس، ومحاولةِ خلقِ نسخاً مكررة منهم، نسخاً تتشابه في كل شيء، حتى في نوعية الطعامِ الذي يتناولونه، ويتكالب أفرادُ المجتمع على قتل كل نزوع نحو الاختلاف والانعتاقِ من شرنقة التنميط.
لقد نسجت “كانع” روايتُها على منوال أدب كافكا، لتندد بالعنف المجتمعي، قبل أن تمر في روايتها اللاحقة؛ “أفعالٌ بشريةٌ” لتتناول العنفَ السياسيَّ الذي عايشته الروائيةُ وهي طفلةٌ في مدينتها “غوانغجو” في انتفاضة 18 ماي 1980. وقد وصفت “نيويورك تايمز”  روايتها النباتية بعد فوزها بجائزة البوكر: “روايةٌ شرسةٌ، لقد استحقت هان كانغ الاحتفاءَ بها ككاكتبة صاحبةَ رؤيةَ. تعاملُ “هان” المبدعُ مع القوةِ والخيارِ الشخصيِّ والخضوعِ والتدميرِ تمت صياغتُه ببراعةٍ…إن روايةَ “المسخ” وأعمالَ أخرى لكافكا تسكن في روح هذا النص”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى