فن وثقافة

خزعل الماجدي: الحضارة نظام معقد لا يقوم لكل شعب عاش أو سيعيش

“الحضارة نظام معقد” بهذه العبارات بدأ خزعل الماجدي، الباحث العراقي في علم وتاريخ الأديان و الحضارات القديمة حديثه، مساء أمس الخميس في ندوة “أخلاق الحضارات”، التي افتتح بها مهرجان “ثويزا” بطنجة فعاليات دورته الـ18.

الواقع أن الباحث العراقي، وهو يرد على السؤال الذي طرحه عليه أحمد عصيد الذي كان محاوره في هذه الجلسة، بخصوص ماهية الحضارة، فصّل بشكل كبير في هذا المفهوم وحاول تمييزه بدقة.

“يخيل للبعض أن لكل شعب حضارة، وهذا غير صحيح” يقول الماجدي، قبل أن يسترسل: “الحضارة نظام معقد لا يقوم لكل شعب عاش أو سيعيش”.

لكن بدلا من ذلك، لكل شعب ثقافة بل ثقافات يؤكد الماجدي، والإنسان منذ عصور ما قبل التاريخ، حافل بعشرات الألاف من الثقافات التي تترك أثرا.

وبشكل أدق فإن فترة ما قبل التاريخ لم تكن هناك حضارات، وأرجع الباحث العراقي الأمر إلى سببين الأول هو الكتابة، على اعتبار أن الكتابة شرط أساسي في قيام أية حضارة، وحتى عند تجاوز الشرط الأول فإن الشرط الثاني وهو غياب قيام المدن لا يسمح باضفاء مفهوم الحضارة على تعبيرات معينة في الأزمنة المعنية وبالخصوص في عصور ما قبل التاريخ.

وخلص إلى أن الحضارات برزت مع العصر البرونزي، أي في التاريخ الثابت المؤرخ لهذه الحقبة وهو 3200 قبل الميلاد.

خزعل الماجدي من طنجة

وأحصى الباحث العراقي وفق أبحاثه التي أنجزها طوال العقود الماضية، والتي نشرها في كتب ودراسات، 30 حضارة على مر التاريخ البشري.

والواضح أن الشعور بأن العدد قليلا بالنظر للتاريخ البشري، سيتبدد بعد قول الماجدي أن الحضارة “ماكينة عملاقة تحتوي على مجموعة من العناصر المادية والمعنوية تضفي لونا ونكهة ومنجزا”.

أخلاق الحضارات

وأكد على أن مسألة الأخلاق، هي في قلب الحضارة، ولكل حضارة عناصرها المادية التي حددها في سبعة عناصر، وتقابلها أو يناظرها العدد مثله من العناصر الأخلاقية.

والأخلاق في هذه الوضعية، هي “مؤشر الحساسية” يقول الماجدي الذي يقيس الارتقاء والارتفاع والجمود والانهيار، فكلما سمت العناصر الأخلاقية إلا وكانت الحضارة في أوج العطاء والقوة.

وقبل الغوص في أخلاق الحضارات، قدم الماجدي تصنيفا للحضارات التي عرفتها البشرية وفق التحقيب التاريخي، بدئ من العصر القديم إلى العصر الحديث والمعاصر.

غير أن اللافت في ذلك أن العصر القديم أو البرونزي شهد قيام 15 حضارة من مجموع الحضارات التي عرفتها الإنسانية،  أي نصف الحضارات كلها.

ومن ضمن الحضارات التي قامت في هذه الحقبة، الحضارة السومرية وهي أول حضارة بشرية، وبعدها المصرية، اعتبرهما الماجدي أمهات الحضارات البشرية.

وعن أخلاق الحضارات القديمة، يؤكد الماجدي بأنها حضارات لم تكن فيها حروب على شاكلة الحروب التي قامت على أساس ديني، وضرب مثالا على ذلك بالحضارة الأولى، السومرية التي كان يقوم جوهرها على أساس الطبيعة والتناغم معها، “هي حضارة الطين والماء والقصب” يقول الماجدي.

وأضاف أن السومرية، “وازنت بين الديني والدنيوي بجعل ما هو ديني انعكاس للإنسان، إذ لم تكن لهم تصورات حول مرحلة ما بعد الموت، وقدمت للبشرية أول الكتابة و أول الأديان”.

وأضاف أن السومرية “مقتت الكذب و عصيان القانون وتباهى الحكام في هذه الحضارة باحترام القانون”.

خزعل الماجدي من طنجة

أما في الحضارة المصرية فالأخلاق فيها تطورت بفعل الفصل الواضح الذي حدث بينها وبين الدين. ووجود الهة الأخلاق و الحكماء الذين لم تتفوق أية حضارة على مصر في عدد حكمائها إلا الحضارة الصينية.

والمعلوم أن الحضارة الصينية أو النظام الأخلاقي الذي كان جوهر الحضارة الصينية، ساهم فيه الحكماء، لكن اثنان فقط كانا لهما الفضل الكبير، أو نمطان كان لهما دور هام، الأول وفق الماجدي مثله الحكيم “لاو تسي”، الذي قال بحرية الفرد وعفوية الطبيعة والتدخل فيها هو إفساد، وكان ضد الثورات على اعتبار أن ذلك سيخلق الاختلال. والنمط الثاني الذي كان يمثله “كونفوشيوس”،  كان معاكسا تماما للنمط الأول، حتى انه من المستملحات التي تروى على الاثنين انهما تقابلا يوما فنظر الأول إلى الثاني بغضب وقال له “لقد أفسدت الأمر”.

بالانتقال إلى الحديث عن بعض الحضارات التي كان الدين حاضرا فيها بقوة أو الحضارات التي أسست في ظل دين التوحيد، قال الماجدي، ردا على عدم حديثه في مؤلفاته على اليهود في استحضار قيام الحضارات الدينية والاكتفاء بالإشارة إلى الحضارتين الاسلامية والمسيحية، أن اليهودية “ديانة لم تؤسس حضارة وبدون دولة ومجتمع مستقر لا يمكن الحديث عن حضارة”.

وأضاف أن اليهود في 70 ميلادية طردتهم روما في الشتات، والعالم العربي و أوروبا، وعادوا سنة 48 في إشارة إلى تاريخ قيام دولة إسرائيل. ثم يقول الماجدي أن الدين اليهودي “دين مغلق لا يقبل التفاعل”.

وبخصوص الحضارة المسيحية أبرز نفس المتحدث أنه بحكم انتشارها شكلت امبراطورية وهي حضارة ذات طابع ديني مثل الحضارة الاسلامية والبوذية.

لكن الحضارات التي قامت على أساس ديني، كان أول سقوط اخلاقي لها هو اعتبار أن ما دونها من الحضارات أو الحضارات السابقة مشركة كما هو الشأن للمسيحية التي صبت جام غضبها على ما سبقها من حضارات و “احتكرت الله” على حد تعبيره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى