فن وثقافة

اختراع الشعب اليهودي ل “شلومو ساند”

صدر كتاب “اختراع الشعب اليهودي” سنة 2008 للمؤرخ الإسرائيلي “شلومو ساند” أستاذ التاريخ المعاصر في جامعة تل أبيب، وأحدث ضجة كبيرة في إسرائيل وغيرها اثر صدوره وما زال، بسبب جرأته في مراجعة ودحض أهم الأساطير المؤسِّسة للسردية الصهيونية، كما تُرجم إلى عدة لغات عالمية منها اللغة العربية.

ويعتبر الكتاب فاتحة لثلاثية “شلومو ساند” التي بدأها ب “اختراع الشعب اليهودي” ثم “اختراع أرض إسرائيل” وأكملها بكتاب “كيف لم أعد يهوديًا”.

وتعرض شلومو ساند بسبب ثلاثيته هذه، لمضايقات كثيرة وصلت إلى حدّ تلقيه تهديدات بالقتل على يد مجموعات صهيونية متطرفة، خاصة بعد نشر كتابه الثالث “كيف لم أعد يهوديا” الذي أعلن فيه تخليه عن اليهودية بسبب الأساطير التي تكتنفها، لكنه ظل متشبثا بانتمائه إلى إسرائيل التي يحلم بأن تتحول إلى دولة منزوعة الطابع الديني اليهودي، ويحاجج عن أسباب تشبثه بهذا الانتماء، بقوله أن الطفل الذي ولد نتيجة عملية اغتصاب، لا يمكن حرمانه من الحياة، لكن بالمقابل يجب منعه من تكرار فعل والده.

يدور محتوى الكتاب حول أطروحة مركزية مفادها: أن اليهود ليسوا أمة قومية من أصل عرقي مشترك كما تدعي الصهيونية، بل هم مزيج من قوميات مختلفة وأعراق كثيرة تدينت بالديانة اليهودية، ومن أجل إثبات هذه الاطروحة، يسافر شلومو ساند إلى أغوار التاريخ القديم، ولم يكتف مثل باقي زملائه من المؤرخين الجدد بالبحث في تشكل الدولة الصهيونية على الأراضي الفلسطينية في بدايات القرن العشرين، وكذا فضائع التطهير العرقي الذي مورس على الفلسطينيين عام النكبة 1948، بل ذهب إلى حدود فحص ادعاءات طرد الرومان لليهود في القرن الأول الميلادي، ويعتبر القصة مجرد خرافة لا تؤكدها الأبحاث التاريخية، كما أن اليهود الذين يعيشون اليوم في إسرائيل وفي أماكن أخرى من العالم ليسوا على الإطلاق أحفاد “الشعب العريق” الذي عاش في “مملكة يهودا” إبان فترة تدمير “الهيكل الثاني”، وإنما أصولهم تعود إلى شعوب متعددة اعتنقت اليهودية على مرّ التاريخ في أماكن مختلفة من حوض البحر الأبيض المتوسط والمناطق المجاورة، يقول ساند: “فيما لو أن اليهود في العالم كانوا حقاً (شعب) فما هو الشيء المشترك في مكونات الثقافة الإثنوغرافية ليهودي في كييف ويهودي في المغرب، غير الاعتقاد الديني وبعض الممارسات الدينية”.

جاء الكتاب في خمسة فصول هي:

صنع الأمم؛ الجمهور كسيّد والمساواة كخيال

 “الميثوتاريخ”؛ في البدء خلق الله الشعب

 اختراع المنفى؛ “وتتهود كثير من شعوب الأرض”

 أقاليم الصمت في أعقاب الزمن اليهودي المفقود

 تفخيم وإقصاء؛ سياسة الهويات في اسرائيل.

 واستهل ساند كتابه بتوطئة عنونها ب”عبء الذاكرة”، يقول عنها أنها عبارة عن “مجموعة قصص مستوحاة من الذاكرة التي يشوبها بعض الخيال الحر”، مستدركا: “قد يكون طابع هذه القصص ساخرا أحيانا وحزينا في أحيان أخرى، وفي النهاية سيتردد صدى صوت كل من السخرية والحزن ليشكلا معا غلافا ملائما لنص نقدي يسعى إلى الوقوف على المصادر التاريخية وعلى تداعيات ممارسات سياسة الهويات في إسرائيل.”

ويأتي في هذه التوطئة على إيراد بعض القصص، منها واحدة تتعلق بسيرة والده الشيوعي القادم من بولندا إلى فلسطين المحتلة، والذي لم يكن مرتاحا أبدا لهذا المصير وهذا التحول الذي نقله من مواطن بولندي إلى مستوطن في ارض الغير التي تقول السردية الصهيونية عنها أنها ارض الميعاد لجميع اليهود في العالم. وفي قصة أخرى يتطرق إلى لقائه بالشاعر الفلسطيني محمود درويش وإعجابه الكبير بشعره منذ ستينيات القرن الماضي، ويحكي في القصة انه في أواخر سنة 1967 عاد شلومو ساند إلى حيفا بعد مشاركته كجندي في الجيش الاسرائيلي في معارك احتلال القدس التي تركت في نفسه أثراً سيئا، وفكّر على إثرها في مغادرة إسرائيل وترك كل شيء وراءه، وحينما كان هو يشارك في معارك الاحتلال في القدس، كان محمود درويش يُقتاد مكبّلاً إلى المعتقل، وعندما تم إخلاء سبيله،  فكر الجندي ساند في زيارة الشاعر في منزله قبل مغادرة البلد، وامضيا معاً ليلةً بيضاء، حاول الشاعر خلالها إقناع الجنديَّ الشاب بالبقاء والمقاومة لا أن يهرب إلى مدن الغربة، وبعدم ترك الوطن المشترك، فأعرب الجندي عن اشمئزازه من وهم الانتصار الإسرائيلي وعن يأسه وغربته من الأرض التي سُفك عليها دم زكي، وعند الظهيرة أيقظه الشاعر ليقرأ عليه قصيدة “جندي يحلم بالزنابق البيضاء” كتبها مع بزوغ أولى خيوط الفجر عندما كان الجندي نائما، جاء في القصيدة:

يفهم_ قال لي_ إنّ الوطنْ

أن أحتسي قهوة أمي
أن أعود في المساء..
سألته: و الأرض؟
قال: لا أعرفها.

عمل ساند عبر فصول كتابه على تقويض الأسس التي اتكأت عليها الصهيونية فيما أسماه “اختراع الشعب اليهودي”، فبحث فكرة “الشتات اليهودي” القائمة على قصة طرد الرومان لليهود سنة 70 ميلادية بعد تدمير الهيكل، وخلص إلى أنه تاريخيا ليس ثمة ما يؤكد هذه الواقعة، يقول في هذا الصدد: “شرعت بالتفتيش عن كتب تبحث في طرد اليهود من البلاد، وعن سببٍ أو عن حدثٍ مُؤَسِّسٍ في التاريخ اليهودي، كالمحرقة النازية تقريبا، لكنني فوجئت حين تبين لي أنه لا وجود لكتب أو أدبيات توثق مثل هذا الحدث. والسبب بسيط؛ وهو أنه لم يقم أحد على الإطلاق بطرد شعب البلاد، فالرومانيون لم يطردوا شعوبا (عقب احتلالاتهم)، وما كان في إمكانهم القيام بذلك حتى لو رغبوا فيه، إذ لم تتوفر لديهم قطارات أو شاحنات من أجل ترحيل ونفي شعوب أو مجموعات سكانية بأكملها”. ويؤكد أن اختراع “قصة الشتات” كانت ضرورية من أجل تشييد ذاكرة بعيدة المدى يُزرع فيها شعب من صنع الخيال كي يُقدّمَ بوصفه استمرارا متصلا للشعب التوراتي القديم.

كما وضع تحت مبضع النقد والفضح فكرة أن اليهودية لم تكن دينا تبشيريا، بل ظلت محصورة كدين في العرق الذي اعتنقه في بدايته، وخلص إلى أن “اليهودية مثل المسيحية والإسلام، كانت على الدوام حضارة دينية مهمة وليست ثقافة شعبية قومية. إن الذي وحّد اليهود على مر التاريخ هو مكونات عقائدية قوية وممارسة طقوس غارقة في القدم. ولكن، مثلما نعلم جميعا لا موطن للإيمان وخلافا لذلك فإن الشعوب ينبغي أن يكون لها وطن. لذلك اضطرت الصهيونية إلى تأميم الديانة اليهودية وتحويل تاريخ الجماعات اليهودية إلى سيرة شعب “إثني”.

يرى شلومو ساند أن أغلب الأساطير المؤسسة للسردية الصهيونية هي خرافات من بنات أفكار رجال الحركة الصهيونية بداية من نهاية القرن 19، ويرى أن بعض المثقفين اليهود تأثروا بمدّ فكرة القومية في ألمانيا، ففكروا في تأسيس قومية خاصة باليهود، ولينجحوا في ذلك عمدوا إلى اختلاق واختراع جملة من الأكاذيب والخرافات؛ أغلبها لم تكن معروفة قبل هذا التاريخ، منها فكرة العودة إلى أرض الميعاد التي يرى أنها فكرة معاصرة ولم تكن أصيلة في المعتقد الديني اليهودي، فالأماكن الدينية المقدسة تُعَظَّمُ في اليهودية كما تعظّم في باقي الديانات، لكنها لا تدعو أبدا إلى العيش في كنفها، الدعوة إلى العيش في كنفها هي فكرة صهيونية ولدت أواخر القرن 19.

الحقيقة أن كتاب شلومو ساند مبني على مقولات “تذهب إلى المحرّم وتفككه، وهو بهذا ينقل النقاش التاريخي الإسرائيلي من إطار المؤرخين الجدد الذين كشفوا وقائع النكبة والطرد المنظم لعام 1948، إلى أفق جديد قوامه إعادة نظر جذرية في المسلمات الصهيونية وإخضاعها لمحاكمة تاريخية جذرية” كما يقول الروائي اللبناني إلياس خوري عن الكتاب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى