تقرير يكشف اختلالات تدبير موارد ونفقات الأحزاب السياسية

كشف تقرير المجلس الأعلى للحسابات عن إجمالي الموارد المصرح بها من قبل 29 حزبا سياسيا، والتي بلغت نحو 96,152 مليون درهم، شاملة الدعم الإضافي المقدم من الدولة لـ7 أحزاب سياسية لتغطية مصاريف المهام والدراسات، إلا أن التقرير أشار إلى وجود مجموعة من النقائص والإشكالات في طريقة تدبير هذه الموارد وتبرير نفقاتها، مما يثير تساؤلات حول مدى شفافية وكفاءة النظام المالي للأحزاب السياسية بالمملكة.
قام المجلس الأعلى للحسابات وفقا للصلاحيات الدستورية المخولة له بتدقيق الحسابات السنوية للأحزاب السياسية لسنة 2022، ونشر تقريرا مفصلا حول تدبير الأحزاب السياسية للموارد المالية المخصصة لها من الدعم العمومي، وذلك للتحقق من صحة النفقات المتعلقة بالدعم العمومي الممنوح لهذه الأحزاب، هذا الدعم، الذي يهدف إلى المساهمة في تغطية مصاريف تدبير الأحزاب وتنظيم مؤتمراتها الوطنية، إضافة إلى تمويل الأنشطة البحثية والتفكير الاستراتيجي، تضمن مبلغا إضافيا خاصا بالمهام والدراسات، وبلغ مجموع الدعم السنوي الاضافي برسم سنة 2022، مابين شهري شتنبر ونونبر من نفس السنة، لفائدة سبعة احزاب سياسية مبلغا إجماليا قدره 20,10 مليون درهم، وقد قام حزبان بإرجاع الدعم السنوي الاضافي الممنوح لهما إلى الخزينة لعدم استعماله وبلغ 2,76 مليون درهم.
نواقص في إثبات النفقات والموارد
أحد أبرز النقاط التي أشار إليها التقرير هو القصور الكبير في إثبات صحة صرف النفقات التي تم الإعلان عنها والتي بلغت 130،65 مليون درهم. فقد سجل المجلس أن 26% من النفقات من قبل 24 حزبا بلغ مجموعها 34،35 مليون درهم لم يتم دعمها بوثائق قانونية كافية، وهو ما يشير إلى غياب الشفافية في التعامل مع هذه الأموال العامة، من بين هذه النفقات، كانت هناك مبالغ كبيرة لم يتم تقديم أي مستندات رسمية تبرر صرفها، على سبيل المثال، بلغ مجموع النفقات غير المدعمة بوثائق قانونية 17,25 مليون درهم، في حين أن نفقات أخرى لم يتم دعمها بوثائق كافية أو كانت غير مسجلة باسم الحزب بقيمة 1,46 مليون درهم، وتبقى المبالغ الأكثر إثارة للقلق هي تلك المتعلقة بصرف الدعم السنوي الإضافي، حيث تم تسجيل نفقات قيمتها 15,64 مليون درهم ولم يتم تقديم أي مستندات قانونية بخصوصها.
إلى جانب النواقص في إثبات النفقات، لم يغفل التقرير عن الإشارة إلى المشكلات المتعلقة بتحصيل الموارد المالية، فقد تم الكشف عن خمسة احزاب لم تقدم الوثائق القانونية التي تثبت كيفية تحصيل الأموال، وبلغ إجمالي المبلغ الذي لم يتم إثباته 3,8 مليون درهم، وهو ما يشير إلى وجود فجوات كبيرة في عملية تدبير الموارد المالية، كما تم تجاوز السقف القانوني المحدد لاستخلاص الأموال نقدا، حيث تم تحصيل 2,11 مليون درهم نقدا، متجاوزة بذلك الحد الأقصى المسموح به، وهو 10,000 درهم.
كما قام المجلس بإحالة أمر 21 منتخبا من مجالس الجماعات الترابية الذين تخلفوا عن إيداع حسابات حملاتهم الانتخابية على المحاكم الإدارية المختصة، قصد مباشرة الإجراءات القانونية الجاري بها العمل من أجل التصريح بتجريدهم من عضوية مجالس الجماعات الترابية التي انتخبوا بها، ووجه أيضا حالات تضم 474 مترشحا تخلفوا عن إيداع حسابات حملاتهم الانتخابية، برسم انتخابات 2021، إلى وزير الداخلية لاتخاذ الإجراءات القانونية المتعلقة بالتصريح بعدم أهليتهم للانتخابات التشريعية العامة والجزئية، ولانتخابات المجالس الجماعية والغرف المهنية طيلة مدتين انتدابيتين متتاليتين.
توصيات المجلس
التقرير كشف عن صورة قاتمة فيما يتعلق بتدبير الأحزاب السياسية للموارد المالية المخصصة لها، حيث يوضح أنه رغم الإصلاحات التي أجرتها الدولة في السنوات الأخيرة، فإن الأحزاب ما زالت تواجه تحديات كبيرة في تطبيق هذه الإصلاحات على أرض الواقع، ويحتاج النظام المالي للأحزاب إلى مزيد من الرقابة والمساءلة، وذلك من خلال وضع آليات رقابية أكثر فعالية تشدد على الشفافية وتمنع أي تجاوزات قد تضر بمصداقية الأحزاب في نظر المواطنين.
استنادا إلى هذه الاختلالات، قدم المجلس الأعلى للحسابات عددا من التوصيات الهامة التي من شأنها أن تعزز شفافية تدبير الموارد المالية للأحزاب السياسية، أولى هذه التوصيات تتعلق بضرورة تنظيم دورات تكوينية لأطر الأحزاب السياسية من أجل تسهيل تطبيق المخطط المحاسبي الموحد، الذي يهدف إلى ضبط وتنظيم المعايير المحاسبية داخل هذه الأحزاب، كما أوصى المجلس بتطوير نظام معلوماتي مشترك بين الأحزاب يساعد على تدبير الحسابات والمصروفات بشكل فعال وآمن.
وعلى المستوى التشريعي، دعت التوصيات إلى ضرورة استكمال الإطار القانوني المتعلق بالدعم السنوي الإضافي، حيث أصبح من الضروري وضع ضوابط أكثر صرامة بشأن صرف هذه الأموال، خاصة في مجالات البحث والتفكير الاستراتيجي، فقد تم صرف هذا الدعم الإضافي لفائدة سبعة أحزاب، بمجموع 10,20 مليون درهم بين شهري شتنبر ونونبر 2022، بينما أرجع حزبان المبالغ التي لم يتم استخدامها إلى خزينة الدولة، مما يعكس ضعفا في استغلال الدعم العمومي المقدم.
وفي هذا السياق، تبقى مسؤولية وزارة الداخلية كبيرة في مراقبة التنفيذ الفعلي لهذه الإصلاحات وفق رأي المجلس، فإلى جانب تنظيم الدورات التكوينية، لابد من اتخاذ خطوات حاسمة لضمان الامتثال الكامل للقوانين المنظمة للدعم العمومي، بما في ذلك الرقابة الدقيقة على النفقات المالية للأحزاب.




