ملفات

غيثة بناني.. زوجة بن بركة التي أيقظ رحيلها لغز اختفاء أشهر المعارضين المغاربة

 

“كل الحاضرين في الجنازة كانوا إما يعرفون زوجة الفقيد شخصيا أو سبق لهم لقاؤها ذات نضال. اختارت منذ أزيد من ثلاثين سنة أن تختفي تماما عن الأنظار واعتزلت الصحافة والناس. قدرها أنها زوجة المهدي بن بركة وأرملته، وإن لم يكتب لها أن تبكيه أمام شاهد قبر مثل كل أرامل العالم.. إنها غيثة بناني، أو مدام بن بركة”.

الجمعة الخامس من يوليوز الأخير. بدأت أفواج من المشيعين تصل المقبرة في باريس، حيث جرى التحضير منذ ساعات الصباح الأولى، لاستقبال جثمان غيثة بناني، أرملة المناضل اليساري المهدي بن بركة، الذي اختفى منذ 29 أكتوبر 1965، ولم يعرف مصيرُه إلى الآن. 

سرعان ما بدأت بعض الوجوه الحقوقية تفد على المقبرة، وتأخذ الكلمة أمام كاميرات، لم يكن أغلبها تابعا لأي قناة تلفزية معروفة، وإنما لأشخاص من محبي العائلة ومن المهتمين بقضية اختفاء المهدي بن بركة، همهم توثيق لحظات تشييع جثمان الزوجة، التي عاشت حياة مليئة بالمنعرجات وتبعات اختفاء زوجها، وما جرّه ذلك على العائلة من ويلات. 

هنا باريس..

في باريس، كانت الأجواء الضبابية التي تزيد من كآبة المنظر، كافية لجعل المشيعين يتفرقون بسرعة مباشرة بعد انتهاء مراسيم الدفن. ابنها، البشير بن بركة، الذي أخذ على عاتقه منذ سنوات مسؤولية الحديث أمام الرأي العام الوطني والدولي باسم العائلة، بذل مجهودا لشكر كل الذين سلّموا عليه من الحاضرين وحاولوا مواساته. 

غيثة بناني، أو “مدام بن بركة” كما كان يناديها الحقوقيون والمحامون والصحافيون في فرنسا، ممن تهمهم قضية اختفاء المهدي بن بركة فوق التراب الفرنسي وأمام أعين السلطات الفرنسية، عاشت أيامها الأخيرة فوق كرسي يسير على عجلات، وكان آخر ظهور علني لها، رفقة أبنائها وأفراد أسرتها الصغيرة، في ذكرى اختفاء المهدي بن بركة بالقرب من حانة “Lipp” في باريس، قبل انتشار وباء كورونا في بداية 2020. ومنذ ذلك الوقت، كان ظهورها في العلن مُحتشما، خصوصا أنها في السنوات الأخيرة لم تكن قادرة على استقبال المهتمين وأصدقاء العائلة.

زوجة أشهر مختطف في العالم

صنفت قضية اختفاء المهدي بن بركة من طرف حقوقيين أجانب، على أنها أعقد قضايا الاختفاء في إطار الجريمة السياسية، بحسب تقارير حقوقية تعود إلى سنة 2017. ذلك ما جعل غيثة بن بركة، أو غيثة بناني كما يشير اسمها في جواز سفرها المغربي القديم الذي غادرت به المغرب أول مرة سنة 1963 نحو مصر، واحدة من أقدم المناضلات في العالم، بحكم أنها كرّست حياتها كاملة منذ زواجها من المهدي بن بركة سنة 1949 للعناية به، وبعد اختفائه، كرست حياتها لمعرفة مصيره، وذاقت الويلات بسبب هذا الاختيار. 

زوجة بنبركة

ابنة الفقيه

تتحدر غيثة بناني من أسرة رباطية معروفة بالعلم والعلماء. والدها هو الحاج أحمد بناني، القاضي المعروف، الذي كان يحظى بتقدير كبير من قِبل الملك محمد الخامس، كما أن منزله كان قبلة لرواد الحركة الوطنية، وأبناء أسر الرباط العلمية والعريقة. وكان المهدي بن بركة واحدا من زوار الحاج بناني، وتوجت صداقتهما بالمصاهرة، باقتراح من أصدقاء مشتركين بين المهدي بن بركة، يتشاركون معه الانتماء إلى قيادة حزب الاستقلال في الرباط، والحاج بناني. وكان سنّ الابنة غيثة وقتها لا يتجاوز 16 سنة فقط، بحكم أنها من مواليد سنة 1932. 

الانتماء إلى أسرة علمية، كان الدافع الأول وراء اختيار غيثة بناني، لتكون زوجة للمهدي بن بركة، خصوصا أن نجمه بدأ في يسطع. ويقال إن الملك محمد الخامس، خصّص هدية مُعتبرة للمهدي بن بركة عقب زواجه، بحكم أنه كان أستاذا في المدرسة المولوية، وتولى مهمة تدريس الرياضيات لولي العهد الأمير مولاي الحسن والأمير مولاي عبد الله. 

مواقف المهدي بن بركة السياسية، كانت وراء تحول خطير في مسار حياته. إذ بعد أن كان أستاذا في المدرسة المولوية، وأحد الموقعين الرئيسيين على وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944، أصبح مع دخول فترة الخمسينات من القرن الماضي غير مرغوب فيه في الساحة، بسبب مواقفه وتصريحاته ومقالاته الصحفية المعادية للسياسة الفرنسية في الرباط.

وغيثة بناني عاشت كل هذه الأجواء مع المهدي بن بركة، الذي كان منذ زواجه منها، قد وضعها في قلب الأنشطة النسائية للجمعيات الموازية المنتمية لحزب الاستقلال، خصوصا الجمعيات الرباطية الخيرية لإيواء الأيتام وتعليم الفتيات ومحو الأمية وتعليم الطرز والخياطة، وكان حضور غيثة بناني في تلك الأجواء وازنا. 

أولى المحن

غيثة بناني وجدت نفسها في قلب مشاكل المهدي بن بركة، وكانت تزوره في السجن بالدار البيضاء عندما اعتقل سنة 1952 بتهمة الكتابة ضد المقيم العام والتحريض على التظاهر. وبعد ذلك نُفي خارج الرباط، وذهبت معه إلى منفاه البعيد والنائي في “تالسينت”، وكانت هذه الخطوة من فرنسا بهدف التقليل والحد من أنشطة المهدي بن بركة السياسية والشعبية الكبيرة التي حازها في الرباط. 

كان هذا النفي بمثابة امتحان أولي للسيدة غيثة، وعلامة على ما سوف يأتي في حياة الزوجين.

بعد استقلال المغرب، عاش المهدي بن بركة محنا أخرى، أقواها استبعاده تماما من أي لائحة وزراء في الحكومات التي تعاقبت على حكم المغرب منذ الاستقلال خلال فترة حكم الملك محمد الخامس. وما زاد من تعميق أزمة المهدي بن بركة السياسية، الاغتيالات والجرائم السياسية التي حدثت في مغرب الاستقلال، ما جعل شعبيته تتزعزع نوعيا، خصوصا في صفوف المقاومين. 

المهدي بنبركة

تنقلات بين العواصم

المشاكل الحقيقية التي كانت في انتظار المهدي بن بركة بدأت سنة 1963، عندما صدر ضده حكم غيابي بالإعدام، ووجهت إليه تهمة التآمر على الدولة. وكان محظوظا لأن الفترة التي كان فيها حكم الإعدام في انتظاره، كان قد غادر المغرب في اتجاه العاصمة الجزائرية. 

مباشرة بعد ذلك، غادرت غيثة بناني بعد أن تحدث معها المهدي بن بركة المغرب بصعوبة، وحلت في العاصمة المصرية القاهرة، ثم التحق بها المهدي الذي كان يعيش بين الجزائر العاصمة وباريس الفرنسية وجنيف في سويسرا. 

حينها، سرعان ما استقرت غيثة بناني رفقة ابنتها الوحيدة من المهدي بن بركة، وابنها البشير بن بركة في مصر، ورزقت بالابنين الآخرين في المنفى. وظل المهدي بن بركة يزورهم جميعا كلما أتيحت له الفرصة، لأنه كان مشغولا في سنة 1964 و1965 بدوره الدولي في منظمة دول عدم الانحياز. 

حضرت غيثة بناني مع المهدي بن بركة لقاءاته الكبرى خلال الإعداد لقمة القارات الثلاث التي كان مخططا لها أن تُقام في أمريكا اللاتينية، والتقت رموز الاشتراكية في آسيا، خصوصا الصين، وروسيا، ما يجعلها أول سيدة مغربية تظهر في لقاءات رسمية، في وقت لم يكن شائعا أن تظهر زوجات السياسيين العرب في المحافل والاجتماعات. 

ذكرى أليمة

عندما اختطف المهدي بن بركة في يوم 29 أكتوبر 1965 في باريس، كانت غيثة ترعى الأبناء في القاهرة. وطيلة فترة الاختفاء التي هزّت الصحافة الدولية، ظلت الأسرة الصغيرة بعيدة عن مركز الأحداث، إلى أن بدأت محاكمة الموقوفين على خلفية القضية، وجاءت غيثة بناني إلى باريس، لكي تحضر أطوار المحاكمة، باعتبارها زوجة تطالب القضاء الفرنسي بالكشف عن مصير زوجها.

ولم تكن تخطط، بحسب مصادر متطابقة، للبقاء في فرنسا. لكن حساسية القضية استدعت أن تبقى غيثة والأبناء في باريس، بالقرب من مكان الواقعة، لمواصلة الضغط على الحكومة الفرنسية، لكي تحل لغز القضية وتحدد المسؤوليات. ومنذ ذلك التاريخ، وغيثة بناني تسكن باريس.. وتسكنها ذكرى الاختفاء الأليمة التي تحل ذكراها الستون، خلال السنة المقبلة.  

زمن الرفاق

بالنسبة إلى الأستاذ محمد الصواف، أحد قدماء الطلبة المغاربة في باريس، والذي سبق له التعرف على السيدة غيثة بناني في إطار الأنشطة الطلابية اليسارية للطلبة المغاربة، فإن هذه السيدة “امرأة حديدية لم نر لها مثيلا”. 

يواصل في حديث خصنا به في هذا الإطار: “أذكر أول لقاء لي مع السيدة غيثة، ويعود إلى سنة 1969. حلت ذكرى اختفاء المهدي بن بركة، وكان وقتها قد مضى على اختفائه أربعة سنوات كاملة. وبالضبط يوم 29 أكتوبر من تلك السنة، نظمنا ندوة، ووجهنا دعوة إلى السيدة بن بركة لكي تحضر معنا. ولمستُ منذ السلام عليها واستقبالها أنها سيدة قوية وكانت معنوياتها مرتفعة. 

في الحقيقة، في ذلك التاريخ، كان لديها شك في أن المهدي بن بركة قد يكون مازال على قيد الحياة، وأن ظهوره أو الافراج عنه قد يتم في المغرب. أو على الأقل أن يتم الإعلان عن مكان دفنه.

لكن السيدة غيثة لم تخض معنا في هذه التفاصيل، بل اكتفت بابتسامة مقتضبة وشكرتنا على اهتمامنا بقضية اختفاء المهدي بن بركة، وأذكر أن أخاه الذي كان معها وقتها، هو الذي أخذ الكلمة وقال لنا إن العائلة لن تيأس ولن تكل حتى تعرف الحقيقة كاملة، ولن ترضى بنصفها، وإنما بمعرفة الحقيقة كاملة وتحديد المسؤولين عنها ومعاقبتهم ومعرفة مصير المهدي بن بركة.

كان هذا أول لقاء لي مع السيدة غيثة بن بركة، ولمحتها في مناسبات حقوقية أخرى، ولاحظت، كما لاحظ غيري من قدماء الطلبة بطبيعة الحال، أن معنوياتها كانت دائما مرتفعة. 

أما عن رحيلها فلا يمكن أن نقول إلا رحمها الله ورزق ذويها الصبر، خصوصا وأنها رحلت دون أن تعرف مصير المهدي بن بركة ولم يُكتب لها أن تحزن عليه أمام قبر معروف”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى