ملفات

“تنخيل” المدن المغربية ..ظل أقل وأموال طائلة

قبل نحو عامين، أطلقت سليمة بلمقدم، وهي مهندسة منظرية، ورئيسة حركة مغرب للبيئة 2050، عريضة الكترونية لرفض تعميم غرس أشجار النخيل في المدن المغربية.

ونالت العريضة الآلاف من التوقيعات المساندة. بالموازاة مع ذلك تستمر حملة أخرى على مواقع التواصل الاجتماعي وفي الواقع باسم “وقفوا النخل..غرسو الشجر” لثني مدبري الشأن العام وبالخصوص الجماعات الترابية على استبدال أشجار النخيل بأشجار أخرى أكثر ملائمة مع المعمار والمناخ المغربي ونهي الساعين للتزيين الشوارع عن الغرس العشوائي للنخيل.

الواقع أن موجات الحرارة التي عرفتها المملكة في السنوات الأخيرة، جعلت الكثير من الناس ينتبهون إلى وضعية التشجير في مدنهم، والتي يغلب على الكثير منها غرس أشجار النخيل.

ولا يحظى غرس النخيل في المدن وبخاصة في المدن الشمالية بالقبول من قبل نشطاء البيئة على وجه الخصوص، بالنظر لامكانياته المحدودة في التخفيف من وطأة الأجواء الحارة.

وكانت المديرية العامة للأرصاد الجوية أنها سجلت يوم السبت 12 غشت الماضي، رقما قياسيا جديدا في درجات الحرارة المرتفعة وصل إلى 50.4 درجة مئوية في مدينة أكادير.

المديرية أوضحت، حينها في بيان، أنه لأول مرة في المغرب تتجاوز درجة الحرارة المسجلة عتبة 50 درجة مئوية. ولفتت إلى أن الرقم القياسي السابق كان 49.9 درجة وجرى تسجيله في مدينة السمارة (جنوب) في 13 يوليو الماضي.

غرس الأشجار بالمغرب

لماذا يرفض النخل؟

في العريضة التي قدمتها المهندسة سليمة بلمقدم، إلى وزيرتي إعداد التراب وسياسة المدينة، و الإنتقال الطاقي والتنمية المستدامة، فاطمة الزهراء المنصوري و ليلى بنعلي، طرحت السؤال التالي:  لماذا غرس النخيل خارج مجاله الواحي خطأ مهني بيئي فادح؟

وقالت بلمقدم معدّدة الأسباب الداعية إلى استبعاد النخل من المدن غير مجاله الطبيعي الواحي، في كونه يعد “انتهاك للهوية والذاكرة المنظرية للمجال الترابي”.

وأضافت أننا بحاجة “لإرساء وترسيخ الهوية من أجل الصحة النفسية للساكنة والأمن المجتمعي و إغناء شروط السياحة الوطنية والدولية”.

وزادت أن “النخلة المغروسة بغير مجالها تتعذب ولا تكون بصحة جيدة وينتهي بها الأمر الى الذبول ثم الموت”.

وأشارت إلى أن  “النخل لا يمدنا بالظل اللازم إلا إذا كان على شكل مجموعة الشيء الذي يصبح جد مكلف – النخل لا يمد كل الخدمات الايكولوجية وبنفس النسبة، التي تمدها الشجرة كامتصاص ثاني اكسيد الكربون.. ولا يحمي من انجراف التربة و حين نخون التنوع البيولوجي بمجال ما فإننا نخون المنظومة الإحيائية برمتها”.

أشجار أصيلة 

يتذكر المهندس الزراعي، و رئيس التجمع البيئي لشمال المغرب، محمد بنعطا، في تصريح لـ”كاب أنفو”، كيف تم اجتثاث مئات الأشجار الأصيلة بمدينة وجدة، في بدايات الألفية الثالثة.

وقال “تنخيل المدن أصبحت ظاهرة شائعة، وفي وجدة بدأت في 2006  عندما قررت السلطات اجراء عملية إعادة التهيئة الحضرية للمدينة، وأقتلعت أشجار الخروب الأصيلة”.

الناشط البيئي محمد بنعطا

الخروب من الأشجار المعمرة التي كانت تؤثث الكثير من شوارع مدينة وجدة، قبل استبدال الآلاف منها بأشجار النخل.

وأضاف المهندس الزراعي أن  الشوارع في المدينة كانت تكنى بأسماء أشجارها كالقول عن طريق سيدي يحيى، “شارع الخروب”.

وزاد أن “هذا الوضع كان يضمن له وهو تلميذ صغير، الظلال على طول الطريق إلى المدرسة”.

وأشار إلى أن بعض المناطق بالمدينة كانت تضم أيضا أشجار البطم الوارفة الظلال، و التي يمكن أن يبلغ قطر ظلالها نحو 100 متر، واليوم اختفت لفائدة أشجار أخرى على رأسها النحل.

الغرض تجاري

بالنسبة للمهندس الزراعي، لا يوجد مبرر مقبول لتعميم “التنخيل” في المدن، في الشرق كما في الغرب وفي الشمال كما في الجنوب، والتفسير الوحيد الذي يقدمه هو وجود من ينتفع تجاريا من هذه العملية.

وفي الواقع، فإنه بالرغم من الحملة التي أطلقها نشطاء البيئة منذ نحو سنة و استمرارها حتى اليوم، لم يمنع الكثير من المدن المغربية بالانخراط في عمليات غرس جديدة للنخل.

وقال بنعطا أن المنطق يحتم إسناد مهام التخطيط لإنشاء المساحات الخضراء والتشجير في المدن للمهندسين المنظرين المتخصصين في تهيئة الفضاءات العامة الخارجية.

لكن الاشكال حسب ما رصدته “كاب أنفو” في تعليقات بعض المشاركين في حملة رفض التنخيل، يكمن في غياب نصوص قانونية تلزم الجماعات الترابية بوضع دراسات قبلية حول كيفية تهيئة المجالات الخارجية العامة، وهو ما يضع هذه المجالات مسرح عمل عشوائي.

زيادة على قدرتها المحدودة في مواجهة التغيرات المناخية في المدن والتي من سماتها الارتفاع القياسي لدرجة الحرارة. فإن النخل يكلف أموالا باهضة، و تشير بعض التقديرات غير الرسمية إلى أن سعر النخلة الواحدة يتراوح ما بين 10 و 15 ألف درهم.

ويؤكد بنعطا أن الطامة الكبرى، تكمن في أن نحو 50 بالمائة من أشجار النخيل المستقدمة، تموت خلال عملية النقل وإعادة الغرس.

وحسب بنعطا هذا على الأرجح ما دفع بالدولة في وقت سابق إلى فرض غرامة تقدر بـ10 ألاف درهم، عن نقل كل نخلة من بيئتها دون التوفر على التراخيص.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى