ناجي العماري يكتب..من المغرب أحببنا بوليفار.. بمناسبة تنصيب مادورو

هناك، في الجنوب البعيد، في أقصى الأرض، حيث تهبّ رياح الكرامة محمّلة بثقل الدماء التي سالت لتحرير القارة، وُلد الحلم؛ وُلد حيث تُكتب فصول الحكايات على جباه الأحرار، وحيث ترسم الجبال أغاني التحرر على صفحات السماء.
من هناك، حيث تنبض جبال الأنديز بأغاني سيمون بوليفار، صوت الثورة الذي يتجاوز الأزمان، امتدت شرارة الثورة كأنها وعدٌ جديدٌ للعالم.
من فنزويلا، من إرث بوليفار، خرج هوغو تشافيز، يحمل على كتفيه حلم العدالة، حلم المساواة، حلم الأرض التي لا تُباع ولا تُشترى.
هوغو تشافيز، ذلك الزعيم الذي جاء كالإعصار، لم يكن مجرد قائد سياسي، بل كان شعلةً أضاءت عتمة الفقراء، وكان قصيدة مقاومة.
كان القصيدة التي كتبتها الأمهات بدموعهن وأغاني الحقول.
وقف وحده أمام إمبراطورية الشر، ورفع صوته عاليًا ضد الإمبريالية العالمية التي تحاصر الجنوب بأغلال الهيمنة، وقال: “لا وطنَ بلا حرية، ولا حريةَ بلا مواجهة”.
هكذا كان، هكذا نقش صورته في الذاكرة المشتركة، وقف في وجه إمبراطورية الويلات المتحدة، لا بسيوف ولا بنيران، بل بأحلام الفقراء الذين وعدهم بالعدل والمساواة.
لكن الرياح لم تكن رحيمة.
كان النفط سلاحًا، وكانت العقوبات خناجر، ومع ذلك، حمل تشافيز راية النضال في وجه العولمة الجشعة.
أعاد تعريف الثورة، ليس كمجرد انقلاب سياسي، بل كحكاية إنسانية تُعيد للناس حقهم في الحلم.
لكن الأقدار…
كما يفعل التاريخ دائمًا… غابت شمسه سريعًا،
غادرنا جسده الصغير تاركا لمحبيه ولرفيقه مادورو شعلة الحلم الثقيلة.
في عالم يزداد جشعًا، وينهش فيه القوي الضعيف،
أمام تضاعف الأعداء، وخنوع الاقتصاد لعصا العقوبات، تصبح المعركة أصعب.
في هذا السياق جاء مادورو،
وفي هذا السياق، ينصب رئيسًا لولاية جديدة، يقف مادورو كحارس لإرث تشافيز، يحمل ذات الحلم، وإن كان الطريق أشد وعورة، والرياح أكثر صخبًا.
مادام أبناء بوليفار، الذين أرهقتهم الأزمات، يبحثون عن بصيص أمل … الثورة ستستمر.
تشافيز ومادورو، بين أيديهما انكسرت القيود أحيانًا، وفي أوقات أخرى انكسرت الأحلام تحت وطأة الضغوط. لكن من قال إن الثورة تنجح في جيل واحد؟
الأحلام العظيمة تُزرع في أعماق الزمن، تنمو ببطء، وتورث للأجيال القادمة.
في معركتهما ضد الإمبريالية، لم تكن الهزيمة تعني السقوط.
كانت مجرد فصل في ملحمة طويلة تُعيد تعريف الحرية والكرامة.
وفي كل بقعة في الجنوب العالمي، نشعر أن صدى نضالهما يسكن أرواحنا.
نتأمل أفقًا جديدًا، حيث يمكن للعدالة أن تزهر رغم كل العواصف.
في زمن العقوبات والضغوط الاقتصادية، وفي وجه انهيار أسعار النفط وصرخات الجوع في الشوارع، ما زال مادورو يحاول أن يمسك بيد الحلم، يحاول أن يصد رياح الإمبريالية التي لا ترحم.
نحن، في المغرب، نعرف تلك الرياح جيدًا.
نعرف كيف تُرهق الإمبريالية الشعوب،
كيف تُحاصرها بالخوف والجوع، وكيف تزرع اليأس في البيوت.
لكننا نعرف أيضًا أن النضال الحقيقي لا يخسر أبدًا،
حتى وإن بدا للحظة أنه قد انكسر.
في المغرب، ونحن نراقب من بعيد، نرى في نضال مادورو ملامح مقاومة تشبهنا.
نعرف طعم الألم الذي يتربص بالأوطان حينما تطالب بحقها.
نعرف أن الوقوف في وجه الإمبريالية هو معركة خاسرة في الظاهر،
لكنها انتصار روحي أبدي لكل من يؤمن بأن الأرض ليست للبيع، وأن الكرامة أغلى من الذهب الأسود.
من المغرب، نرى في استمرار مادورو رسالة تتجاوز جغرافيا التاريخ.
رسالة تتجاوز عقارب ساعة السياسة.
رسالة تقول إن الحلم الذي حمله بوليفار يومًا، والذي أنعشه تشافيز، ما زال حيًا. قد تتعثر الخطوات، قد ينهش الجوع القلوب، لكن الشعلة لا تنطفئ أبدًا.
من المغرب، حيث أحببنا بوليفار كأنه منا،
نرسل إليك كلماتنا:
استمر، حتى لو بدا العالم ضدك، حتى لو خانتك الأرض أحيانًا.
فالنضال ليس لحظة انتصار، بل قصة تُحكى عبر الأجيال.
وأنت، مثل تشافيز، مثل بوليفار، مثل باتريس لوممبا، لينين، مثل عمر طوريخوس او يسر عرفات، تكتب صفحة أخرى في حكاية الإنسان الذي يرفض أن يُباع ويُشترى.




