فن وثقافة

“مجتمع الشفافية” للفيلسوف الكوري الألماني “بيونغ تشول هان”

تتميز أعمال الفيلسوف الألماني من أصل كوري بيونغ تشول هان برؤيتها النقدية الاجتماعية للنظام الرأسمالي المعاصر، ولتداعيات الليبرالية الجديدة في مظاهرها وتجلياتها المختلفة، ويهتم أساسا بالموقف الذي يواجهه البشر في ظل حالة الرأسمالية المتأخرة التي تحركها التكنولوجيا.

و فاقت أعماله 30 كتابا باللغة الألمانية، تُرجمت أكثرها إلى لغات عالمية، لاسيما الترجمة الإنجليزية لأعماله، التي جعلتها متداولة على نطاق واسع في أوروبا وخارجه. يبحث “شول” في موضوعات من قبيل:  الشفافية، العنف، الإرهاق، والانترنت، والحب، وتعدد المهام، والثقافة الشعبية، والقوة، والعقلانية، والدين، ووسائل التواصل الاجتماعي، والذاتية، والتعب.. وغيرها من الموضوعات.

ولد بيونج تشول هان في سيول بكوريا الجنوبية سنة 1959. وفي مقابلة مع صحيفة Die Zeit الأسبوعية الألمانية، قال إنه على الرغم من انتقاده للتكنولوجيا، إلا أنه مهتم بها بشكل خاص، وأنه عندما كان طفلاً كان يلعب دائمًا بأجهزة الراديو والأجهزة الكهربائية، لكنه في النهاية قرر دراسة علم المعادن في جامعة كوريا، تخلى عن حياته المهنية بعد أن تسبب في انفجار في منزله أثناء عمله بالمواد الكيميائية، وصل إلى ألمانيا في سن الثانية والعشرين دون أن يعرف اللغة الألمانية ودون أن يقرأ أي شيء تقريبًا عن الفلسفة. يوضح في مقابلة صحافية:

” … في نهاية دراستي [علم المعادن] شعرت وكأنني أحمق، كنت أرغب في الواقع في دراسة شيء أدبي، لكن في كوريا لم أتمكن من تغيير دراستي، ولم تكن عائلتي تسمح لي بذلك، ولم يكن لدي خيار سوى الرحيل. لقد كذبت على والدي واستقريت في ألمانيا على الرغم من أنني بالكاد أستطيع التعبير عن نفسي باللغة الألمانية. […] أردت أن أدرس الأدب الألماني،  لم أكن أعرف شيئا عن الفلسفة، عرفت من هو هوسرل وهايدجر عندما وصلت إلى هايدلبرغ. أنا رومانسي، كنت أنوي دراسة الأدب، لكني أقرأ ببطء شديد، لذلك لم أتمكن من القيام بذلك. انتقلت إلى الفلسفة. لدراسة هيغل، السرعة ليست مهمة. ويكفي أن تكون قادرا على قراءة صفحة واحدة في اليوم.”

درس بيونج تشول هان علم المعادن في جامعة كوريا في سيول، قبل أن ينتقل إلى ألمانيا في الثمانينيات لدراسة الفلسفة والأدب الألماني واللاهوت الكاثوليكي في فرايبورغ وميونيخ. في عام 1994 حصل على درجة الدكتوراه بأطروحة عن الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر.

ومن عام 2012 إلى عام 2017، قام بتدريس الفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة الفنون في برلين، حيث أدار برنامج “الدراسات العامة” الذي تم إنشاؤه حديثًا.

حتى وقت قريب، رفض “هان” إجراء مقابلات إذاعية وتلفزيونية، ونادرًا ما يكشف عن تفاصيل سيرته الذاتية أو الشخصية علنًا، بما في ذلك تاريخ ميلاده، ومن أجل التمرد ضد الرأسمالية الرقمية، طور صيغته الخاصة للمقاومة: فهو لا يملك هاتفًا ذكيًا، ولا يذهب لمشاهدة معالم المدينة، بل يستمع فقط إلى الموسيقى التناظرية، ولا يُعامل طلابه كعملاء، ويقضي وقتًا في زراعة حديقته…

صدر لتشول “ماهية السلطة” ،و”مجتمع الإرهاق” ، و”طوبولوجية العنف” ، “السياسة السيكولوجيَّة: الليبراليَّة الجديدة والتكنولوجيّات الجديدة للسلطة”، و”مجتمع الشفافية” …وغيرها .

صدر كتاب “مجتمع الشفافية” سنة 2015 ، وصدرت ترجمته العربية سنة 2019 عن مؤسسة “مؤمنون بلا حدود”. يشرح “شول” في كتابه كيف أصبحت الشفافية -تلك الكلمة الجميلة المحبوبة- نظاما شاملا يفرض نفسه على كل مناحي الحياة، يقول “تشول”: “تعد الشفافية نظاما نيوليبراليا غدا مترسخا في وقتنا الراهن، وهو يفرض نظاما على كل شيء يوجد داخله، ذلك بغية تحويله إلى معلومات. (…)”.فهي إذن تفرض النظام على كل شيء يدخل في نطاقها سواء كان إنساناً، أو مشاعر، أو أفكاراً… ثم تعمل على تحويله إلى بيانات، ومعلومات، وإحصاءات، تدفع بها إلى فضاءات التفاعل والتواصل، والبيع والشراء أيضاً، وعليه تصير الشفافية هي العدو الأول للخصوصية الفردية والآخر والانعزال، يقول “تشول”: ” تجعل الشفافية الإنسان كما الزجاج، وهنا تحديدا يكمن عنفها؛ حيث يفضي كل من الحرية غير المقيدة والانفتاح التواصلي إلى السيطرة الكاملة والمراقبة، أما الوسائط الاجتماعية فهي تشبه إلى حد التطابق نظام المراقبة الرقمي، الذي يؤدي دور التأديب والتوجيه الاجتماعي”.

لقد صار بوسع أي شخص أن يحصل على معلومات عن أي شيء، لقد أصبح كل شيء ــ وكل شخص ــ شفافاً: مكشوفاً أو مكشوفاً من قِبَل الأجهزة التي تمارس نوعاً من السيطرة الجماعية على العالم، ف للشفافية جانباً مظلماً يرتبط ارتباطاً وثيقاً بغياب الغموض والظلال والفروق الدقيقة، فخلف إمكانية الوصول الظاهرية إلى المعرفة يكمن اختفاء الخصوصية، والتجانس، وانهيار الثقة، ثم إن تراكم المزيد من المعلومات لا ينتج بالضرورة المزيد من المعرفة، بل إن التكنولوجيا تخلق وهم الاحتواء التام والمراقبة المستمرة للمعلومات، بيد أن ما نفتقر إليه هو التفسير المناسب لهذه لمعلومات.

ويرى “تشول” أن الشفافية هي إيديولوجيا مثل الاديولوجيات كلها، تشترك معها في صفاتها الأساسية، كالشمولية والخداع، وهي من حيث كونها إيديولوجية تشكل خطورة، إذا تم تعميمها ستفضي إلى الإرهاب.

ويشبه “تشول” مجتمعات اليوم بسجناء سجن “بنتام” الذي نظر له الفيلسوف الانجليزي جيرمي بنتام في القرن الثامن عشر، مع فروق قليلة لكنها وجوهرية، فسجناء “بنتام” معزولون عن بعضهم البعض، إذ المراقبة هنا تتم بالعزل، بينما سجناء “مجتمع اليوم” يتواصلون بشكل مكثف مع بعضهم، غير معزولون، والرقابة هنا تمارس عن طريق ما يسميه “تشول” بالشفافية القهرية، وهنا يكمن الفرق الجوهري مع سجناء “بنتام”، لأن هؤلاء يعرفون أنفسهم أنهم سجناء وأنهم مراقبون، بينما سجناء مجتمع اليوم يعيشون وهم لا يعرفون أنهم سجناء وأنهم مراقبون، ويتوهمون أنهم يعيشون الحرية، في حين هم يعيشون في الحقيقة تحت رحمة “الشفافية القهرية” التي تنطوي على أقصى درجات التحكم والاستغلال.

ويتميز مجتمع اليوم بخصوصية فريدة، هي أن أفراده يتعاونون بنشاط من أجل بناء هذا النظام وحمايته، وذلك من خلال “وضع أنفسهم داخل سوق نظام المراقبة، ويكمل كل منهم الأخر عبر تقديم أنفسهم للعرض البورنوغرافي. تحت وطأة نظام المراقبة، تتغذى الشبكة، بوصفها صورة لنظام المراقبة الرقمي، على الفضائح وعلى عمليات التلصص، ويتحقق لها الكمال عندما يقدم الأفراد أنفسهم طواعية للعرض، لا عبر الالزام الخارجي، ولكن عبر الحاجة المولدة ذاتيا، أي عندما يدفع خوف التخلي عن المجال الخاص والحميم إلى ضرورة أن يضع المرء نفسه على الشاشة دون خجل.”

ويخلص “تشول” إلى أن العالم “قد وقع بأسره اليوم في قبضة نظام المراقبة، وقد غدا هذا النظام شاملا، حيث لم يعد ثمة جدار يحيط به من الخارج، إذ لم يعد هناك خارج، إن محرك البحث جوجل وشبكات التواصل الاجتماعي التي تقدم نفسها بوصفها مساحات مفتوحة للحرية، يوفرون أشكالا من هذا النظام.” ويضيف: “في عالمنا اليوم لا تعد المراقبة هجوما على الحرية، إن السجين في هذا النظام الرقمي هو الجاني والضحية في الوقت ذاته، ها هنا نجد تلك الشوائب التي لا زالت تذكرنا بديالكتيك الحرية، ليتضح في النهاية أن الحرية هي شكل من أشكال السيطرة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى