ملفات

عطّاشة الإحصاء وأثرياؤه.. إحصاء 2024 يكلّف الملايير 

لم ينطلق الإحصاء العام للسكان والسكنى بعد، لكنه بدأ يثير جدلا واسعا وسط فئة بعينها من المشاركين فيه. يتعلق الأمر برجال ونساء التعليم، الذين وصفهم عزيز غالي، رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بـ “العطّاشة”.

اتهامات بالإقصاء

ورغم أن كلمة “عطّاشة”، ليست سُبة، بل تعبير مغربي متداول، مقتبس من العبارة الفرنسية “ Travail à la tâche”، وتعني الاشتغال بالقطعة، فإنه نمط العمل نفسه، الذي يقوم به هؤلاء حينما يُصصحون أوراق الامتحانات الإشهادية، ويتقاضون تعويضاتهم على ذلك، بناء على عدد الأوراق التي صححوها.  

ومع ذلك، فإن الوصف لم يعجبهم، فثاروا وأعلنوا غضبهم، كما فعل قبلهم موظفو العدالة والتنمية، خصوصا المنتمون منهم إلى قطاع التعليم، الذين اتهموا المندوبية السامية للتخطيط بإقصائهم.

والحال أنه ليس أساتذة “البيجيدي” وحدهم، الذين حُرموا من المشاركة في الإحصاء. بل إن الإقصاء شمل أسماء أخرى، لم تخرج إلى العلن للاحتجاج، القاسم المشترك بينها هو انتماؤها السياسي، سواء إلى أحزاب اليسار أو إلى نقابات أو جمعيات معروفة بتوجهها “الراديكالي”. وحينما استفسر بعض ضحايا الإقصاء عن السبب وراء ذلك، لم يتلقوا أي جواب، باستثناء أن “السيد العامل”، هو الذي يختار المشاركين. وهنا يُطرح السؤال بخصوص المعيار الذي يتم اعتماده في انتقاء المشاركين، هل بناء على الكفاءة والتكوين، أو وفق معايير أخرى؟ بالإضافة إلى السؤال عن الجهة المسؤولة عن الإحصاء، هل هي مندوبية التخطيط أم وزارة الداخلية؟

من يشرف على الإحصاء؟ 

فباستثناء إحصاء 1952، الذي تم في عهد إدارة الحماية الفرنسية، بإشراف من الإقامة العامة في الرباط، الذي وظفت فيه فرنسا إمكاناتها العسكرية والإدارية لكي يكون شاملا، فإن عمليات الإحصاء المنظمة في المغرب، كانت تشرف عليها الداخلية، بما فيها أول إحصاء في عهد المغرب المستقل الذي كان سنة 1960، وهو أول محاولة اختبر فيها المغرب قدرات الأطر الإدارية المحلية لقيادة عملية الإحصاء العام للسكان والسكنى، والذي كان متزامنا أيضا مع مشروع محمد الخامس الذي يهم محاربة الأمية في صفوف سكان القرى والمدن الصغرى.

تلاه مباشرة إحصاء 1971 الذي كان الأول في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، والذي أشرفت عليه وزارة الداخلية.

ومنذ ذلك الحين، بقي الأمر على حاله، رغم الانتقادات التي كانت تطال طريقة إجراء الإحصاء والتشكيك الدائم في نتائجه، إلى أن تم إحداث المندوبية السامية للتخطيط في شتنبر 2003 كمؤسسة تتمتع بالاستقلالية في ممارسة مهامها، تحت سلطة أحمد لحليمي، المندوب السامي للتخطيط، الذي عينه الملك محمد السادس، فأصبحت هي المسؤولة عن إجراء الإحصاءات الرسمية بالمغرب. ومع ذلك ساهمت وزارة الداخلية بقوة، في عمليات الإحصاء التي تم تنظيمها سنتي 2007 و2014، وينتظر أن تساهم في إحصاء 2024، الذي يعد سابع إحصاء في تاريخ المغرب المستقل.

فقد سارع عبد الوافي لفتيت، وزير الداخلية، يوم فاتح شتنبر الجاري، إلى عقد اجتماع مع كبار المسؤولين بتطوان، وأخذ موضوع الإحصاء حيزا زمنيا مهما من النقاش، وشدد فيه على استعدادها لتدبيره. ولفهم أهمية عملية الإحصاء بالنسبة إلى وزارة الداخلية، يمكن الرجوع إلى لائحة المسؤولين الذين كانوا إلى جانب لفتيت خلال هذا الاجتماع، وسنجد محمد هرمو، فريق أول، قائد الدرك الملكي، وعبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني، وياسين المنصور المدير العام للدراسات والمستندات المعروفة اختصارا بـ “لادجيد”، ومحمد صالح التامك، المندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، والمفتش العام للقوات المساعدة– شطر الشمال، والمدير العام للوقاية المدنية، والعميد المفتش العام للقوات المساعدة –شطر الجنوب. 

صحيح أن الإحصاء سيشمل أيضا المغاربة الذين يمارسون مهنا أمنية أو عسكرية، وبالتالي لا يجب إحصاؤهم من طرف مدنيين، بالنظر إلى حساسية معطياتهم، لكن هذا ليس مبررا كافيا للانخراط الكبير لوزارة الداخلية في عملية تبدو في ظاهرها مجرد عملية تقنية يتم فيها إحصاء المواطنين وجمع معلوماتهم الاجتماعية والاقتصادية، لكنها تبقى وسيلة لفهم التطور الديمغرافي والسوسيو – اقتصادي للبلاد، وهذا العام سيتم توسيع مجالات البحث لتشمل مجالات جديدة، منها مشروع تعميم الحماية الاجتماعية.

وبالعودة إلى الرسالة الملكية إلى رئيس الحكومة بخصوص الإحصاء، نجدها تخاطب وزير الداخلية، وتضعه في المرتبة الأولى، ثم المندوب السامي للتخطيط، وبعده الولاة والعمال، وتدعوهم إلى تنظميه في ظروف جيدة في احترام الآجال المحددة، خصوصا بعد قرار اعتماد المقاربة والوسائل التكنولوجية من أجل جمع المعلومات بواسطة “الطابليطات” ومعالجتها.

تكلفة باهظة 

وعلى ذكر “الطابليطات”، يتساءل بعض المشاركين الذين تم انتقاؤهم للمشاركة في الإحصاء، في صفحات مواقع التواصل، هل سيحتفظون باللوحات الإلكترونية وبطاريات الشحن الخارجية “ Power Bank” عندما سينتهون من مهامهم في الإحصاء أم عليهم إرجاعها، في الوقت الذي يجب عليهم أن يتساءلوا عن هوية صاحب الشركة المحظوظة التي حصلت على صفقة تزويد مندوبية الحليمي بها؟ 

وبالحديث عن نائلي صفقات إحصاء 2024، سنجد أن وراءها أشخاص سيصبحون من أثرياء الإحصاء. وبالرجوع إلى المعطيات المالية التي تم رفع الستار عنها، سنجد أنها متعلقة بصفقة واحدة فقط، من بين أزيد من ثماني صفقات، وهي طلب العروض رقم 13/2024/DRHAG/RGPH الخاصة بالاشتراك في خدمات الإيواء الخاصة بالاستضافة لمنصة مركز البيانات الافتراضي (VDC) المخصصة لنظام معلومات الإحصاء، الذي ستكون الألواح الإلكترونية مرتبطة به، بما في ذلك خدمات المساعدة التقنية والصيانة ذات الصلة، وخصصت لها أزيد من 200 مليون سنتيم، وحظيت بها شركة “MEDAFRICA SYSTEMS MEDASYS” بمليونين و40 ألف درهم، بعدما نافستها شركتان تم إقصاؤهما في المرحلة الأولى بسبب ملفيهما الإداري والتقني.

فباستثناء هذه الصفقة، لم تكشف المندوبية السامية للتخطيط محاضر الصفقات الأخرى، منها نتائج طلب العروض رقم 02/2024/DRHAG/RGPH الخاص بإنجاز خدمات المساعدة لأجل التحقق من المطابقة التقنية للوحات الإلكترونية تعمل بنظام الأندرويد وبطاريات شحن خارجية مخصصة لإنجاز الإحصاء العام للسكان والسكنة 2024 والخدمات ذات الصلة بـ 650.000.00 درهما. وطلب العروض رقم 10/2024/DS/RGPH الخاص باقتناء وتركيب معدات ورخص برنامج معلوماتي لفائدة الإحصاء العام للسكان والسكنى، مقسم إلى حصتين، الأولى خصصت لها 1.415.328.00 درهما، والثانية 2.204.342.26 درهما. وطلب العروض رقم 01/2024/DRHAG/RGPH الذي يهم وضع تصور وتنفيذ حملة تواصلية 360 درجة لأجل الترويج لعمية الإحصاء 2024، في حصتين، الأولى غير رقمية وغلافها المالي 13.900.200.00 درهما، والثانية رقمية قيمتها المالية 2.838.000.00 درهما.

وبينما لم تعلن المندوبية صفقة شراء “الطبليطات” للعموم، لم تعلن كذلك نتائج طلب العروض رقم 01/2024/DS/RGPH الخاص بالطبع والتوريد، والمقسم إلى حصتين الأولى متعلقة بتوفير 55 ألف “بادج” خاص بالمشاركين في الإحصاء بغلاف مالي قدره 792.000.00 درهما، والثاني يهم توفير 55 ألف محفظة و55 ألف قبعة و75 ألف كتاب خاص بالمواعيد و55 ألف مذكرة ورقية و55 ألف قلم حبر، بـغلاف مالي قيمته 7.800.000.00 درهما. والأمر نفسه بالنسبة إلى طلب العروض 13/2024/DRHAG/RGPH الخاص بكراء 98 سيارة بسائق و58 سيارة أخرى بدون سائق لمدة أربعة أشهر على جهاتها اليمنى واليسرى الهوية البصرية للمندوبية السامية للتخطيط، بغلاف مالي يناهز 8.845.379.40 درهما. 

وبإجراء عملية حسابية، ودون حساب الصفقات التي تم إبرامها دون اللجوء إلى اعتماد المساطر الضرورية، وبغض النظر عن تعويضات المشاركين في الإحصاء، وعددهم يتجاوز 62657، منهم الباحثين والمراقبين والمسؤولين المركزيين والجهويين الإقليميين، علما أن أقلهم تعويضا سيتقاضى 15 ألف درهم خلال شهر واحد، فإن تكلفة الإحصاء من خلال الصفقات التي تم إعلانها تتجاوز أربعة ملايير سنتيم.

وبالتالي، السؤال المطروح هو لماذا تهدر الدولة الملايير على عمليةٍ مدةُ صلاحيتها عشر سنوات فقط؟ إحصاءُ 2024 هو سابع إحصاء يُجريه المغرب، ولم تتفتق بعدُ عبقرية كبار المسؤولين المغاربة بفكرة تقوم مقامه، كسجل إلكتروني وطني موحد، يتم فيه “ترقيم” المغاربة والمهاجرين وطالبي اللجوء، وضبط بياناتهم، مع تحيينه باستمرار، يمكن أن يغني البلاد عن عملية يجب أن تتكرر كل عقد من الزمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى