فن وثقافة

سيرة كتاب .. الحداثة السائلة لـ”زيجمونت باومان”

صدر كتاب “الحداثة السائلة” للمفكر وعالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان سنة 2000، وهو كتاب دشن به مشروعه “السائل”، إذ بعد هذا الكتاب جاءت الكتب التالية: الحياة السائلة، والحب السائل، والأخلاق السائلة، والأزمنة السائلة، والخوف السائل، والمراقبة السائلة، والشر السائل، بالإضافة إلى كتابه المهم حول الحداثة والهلوكوست، والذي يذهب فيه إلى أن الهلوكوست ليست نشازا في مسير التاريخ البشري، بل هو منتوج أصيل للحداثة.

وصدرت الترجمة العربية للكتاب سنة 2016 عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر،  من انجاز حجاج أبو جبر مع مقدمة بقلم باومان نفسه مخصصة للنسخة العربية من الكتاب.

الحداثة السائلة هي مصطلح أطلقه عالم الاجتماع زيجمونت باومان الذي توفي سنة 2017 لوصف الوضع الحالي للعالم الذي تخطى الحداثة الصلبة ليرتاد أفاقا أخرى مجهولة وغير واضحة الملامح، وهو الوضع الذي يصفه البعض ب “مابعد الحداثة” في حين يفضل باومان توظيف مفهوم الحداثة السائلة.

يقول باومان في مقدمة النسخة العربية واصفا وضع عصر الحداثة السائلة: “المرونة هي الثبات الوحيد، والزوال هو الدوام الوحيد، والسيولة هي الصلابة الواحدة، وباختصار شديد: اللايقين هو اليقين الوحيد.”

وقد أقدم باومان في كتابه على تناول خمسة موضوعات من خلالها تتضح معالم عصر الحداثة السائلة، وهي موضوعات تشكل الفصول الخمسة للكتاب، وهي: التحرر، والفردية، والزمان/ المكان، والعمل، والجماعة.

في موضوع التحرر يؤكد باومان أن التفرقة بين الحرية الذاتية والحرية الموضوعية تفتح صندوق باندورا الذي يعج بالقضايا المثيرة، ولعل أكثرها أهمية تلك التي تدور حول فكرة (المظهر نقيض الجوهر)، إنها قضايا على درجات متفاوتة من الدلالة الفلسفية والأهمية السياسية الكبرى وإن كانت جميعها عظيمة الشأن، فمثلا: ما يظنه الناس حرية في المستوى الذاتي قد لا يكون كذلك في المستوى الموضوعي؛ بل الأكثر سوداوية أن الناس قد لا يحبذون أن يكونوا أحراراً خشية المصاعب والآلام التي ربما تجلبها لهم ممارسة الحرية. وعندما يطرح سؤال: ما إذا كانت الحرية نعمة أم نقمة؟ يرى أن التحرر كان مفهوماً يحتوي على قائمة من الإصلاحات السياسية في العصر الحديث؛ أما الحرية فكانت على قائمة القيم التي دعا إليها المفكرون، لذا فإنه يطرح طريقتين في الإجابة على هذا السؤال: الأولى هي ريب العامة من الحرية، فالحقيقة التي تجعل الناس أحرارا، هي في الغالب الأعم الحقيقة التي لا يرغب الناس في سماعها. والثانية أن الناس على حق عندما يرتابون من الفوائد التي تجلبها لهم الحريات المعروضة، وعليه فإنه لا يوجد تناقض بين الاستسلام والتحرر، بل ما من سبيل آخر للتحرر سوى الاستسلام للمجتمع وإتباع معاييره.

ويرى باومان أن الفردية تعني مظهراً اجتماعياً أطلقته الحداثة الغربية نحو عالم أكثر رفاهية وثراءً، غير أن هذا التوصيف اتخذ مظهراً زائفاً نظراً لبروز السيطرة، حيث باتت فئة صغيرة تتحكم بمصائر البشر، تماما مثلما تخيّل ذلك ألدوس هكسلي في روايته “عالم جديد شجاع”، وعند مقارنته بين الرأسمالية الثقيلة والخفيفة قام بربط مصطلح الفوردية بالمرحلة الصلبة من الحداثة، حيث تتسم بالثبات في المكان؛ فيتقيد رأس المال بالأرض تماما مثل العمال الذين يعملون لأجل المصنع الفوردي، أما اليوم فرأس المال أصبح يرتبط بالحركية والسرعة، حيث ينتقل بخفة في حقيبة سفر لا تحتوي على أكثر من محفظة وهاتف محمول وحاسوب، وبذلك يستطيع أن يقف في كل مكان تقريبًا.

وعن موقع مقولة الزمن والمكان في عصر الحداثة السائلة، يتحدث باومان عن أن الحداثة بوصفها تاريخ زمن يرى أن المكان كان قيمة، بينما الزمان هو الأداة؛ وتعظيم تلك القيمة استلزم شحذ الأدوات، وأضحى الزمن عامًلا مستقًلا عن الأبعاد الثابتة للماء واليابسة، إذ يختلف الزمن عن المكان في إمكان تغييره والتحكم فيه، لذا أصبح الزمن هو طرف التحول والتغيير الجذري.

وعن العمل يقول باومان أن التقدم أخضع العمل البشري للتفتيت بمثل ما أُخضعت بقية الحياة، وتحول العمل من عالم بناء النظام والتحكم فيه، إلى عالم اللعب الذي تقوم إستراتيجيته على وضع هدف لخطوة تالية أو خطوتين، وتأتي نتائج تلك الأهداف صالحة للاستهلاك. ولم يعد العمل محوراً آمنًا تدور في فلكه تعريفات الذات والهويات ومشاريع الحياة، ولم يعد بالإمكان افتراض العمل بكونه الأساس الخلقي للمجتمع، أو المحور الخلقي للحياة الفردية.

وعن صعود العمل وسقوطه، يرى باومان أنه في زمن الحداثة الصلبة كان ثمة ارتباط بين رأس المال والعمل بفضل الاعتماد المتبادل بينهما، فمصائر الناس الذين يشترون العمل، والناس الذين يبيعونه، يرتبط بعضها ببعض ارتباطاً وثيقاً، وتتشابك بلا انفصال؛ حيث استغرقت تلك الروابط في زمن الحداثة الصلبة مدة طويلة من الزمن، إلا أن ذلك الوضع تغير الآن بسبب حضور العقلية قصيرة الأمد مكان العقلية طويلة الأمد. فتلك الروابط الصلبة بين العمل ورأس المال أصبحت موضة قديمة، ولم يعد للشريكان (العمل ورأس المال) القدرة على البقاء طويًلا معًا.

يتميز عصر الحداثة الخفيفة بالذوبان، والجريان، والتناثر، والتبعثر، وتفكك النظم. هو عصر ينذر بقدوم رأسمالية فك الارتباط بين رأس المال والعمال، ويطلق على ذلك التحول الانتقال من عصر الزواج إلى عصر المعاشرة بكل ما يصاحب ذلك من تبعات واستراتيجيات، وما فيه من افتراض الطبيعة المؤقتة للمعاشرة؛ فحرر رأس المال من الاعتماد على العمال بحرية الحركة التي كان يفتقدها في الماضي، إذ تخلص رأس المال من الثقل المرتبط بالآلات الضخمة، وصار يطير بخفة كون الارتباط يعوق الحركة، وبالتقسيم الاجتماعي للعمل في زمن الحداثة السائلة يأتي رأس المال في قمة هرم السلطة فالعمال/ البشر في هذا الزمن لا يكترثون بالمكان، وينعمون بخفة الحركة وسرعة الانتشار، ويشبهون المنظومة الاقتصادية التي أنجبتهم وأعطتهم السلطة.

إن عالم اليوم هو عالم المخاطر واللاستقرار، فلا يوجد إنسان عاقل يعّد نفسه محصنًا من التغيرات الغريبة لطلب السوق، والضغوط المتقلبة الضاغطة الناجمة عن التنافسية، والإنتاجية، والفاعلية، والمرونة، وهي شعارات الحداثة السائلة التي تنذر بخلق عالم بلا أمن، ولا التزامات ثابتة ولا استحقاقات مستقبلية.

أما بالنسبة لموضوع الجماعة، فيرى باومان أن ما يميز الجماعة أنها من الماضي، إذ ثمة اضطراب في ما يتعلق بالحاجة إلى الجماعة في زمن الحداثة السائلة، وهو تناقض يتعلق بحقيقة وضوح الرؤية في الواقع الذي يدعيه وجود الجماعة، فإن كانت الجماعات تحتاج إلى الدفاع عن نفسها من أجل البقاء، كذلك تحتاج إلى جذب أعضائها لضمان هذا البقاء في ضوء خياراتهم الفردية، فإنها بذلك لا تعدو أن تكون مجتمعات مفترضة، أي مشروعات لا عوالم واقعية، وهي تأتي بعد الخيار الفردي، لهذا فإن (المجتمع الذي يشمل الجميع) أصبحت عبارة متناقضة، والإخاء الجماعي سيكون ناقصاً وغير قابل للتطبيق من النزعة الغريزية التي تدفع إنسانًا لقتل أخيه الإنسان.

ويخلص باومان إلى أن العالم اليوم يشهد نظاماً ثنائياً: النظام الرسمي  وهو ما تمثله الاقتصاديات القومية للدول، والنظام الحقيقي غير الرسمي، الذي تمثله المؤسسات العابرة للقوميات من شركات ومؤسسات مالية وتجارية. فالدولة لها سلطة وسيادة، لكن عن طريق عولمة الاقتصاد، تضاءلت الحاجة إلى شراء الحكومات بالمال، إذ يكفي العجز في موازناتها المالية والموارد التي تقع تحت سيطرتها لجعلها تستسلم لأولئك الذين يمسكون برقاب العالم، وهذا كفيل بأن يتحول الزمن إلى الارتباط بالهمجية، حيث تتصاعد موجات العنف والإزاحة من المكان ليتحول العالم إلى غيتوهات منتشرة، إذ يمكن ارتكاب العنف والقتل بحق الضحايا من دون الخوف من الثأر والانتقام، بل يمكن أن يجعل الضحية هي الجاني وأنها قادرة على سفك الدم بأفظع الأشكال والألوان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى