
تداولت مواقع التواصل الاجتماعي تدوينة للسلفي حسن الكتاني يتشفى فيها في الصحافي جمال براوي الذي رحل عن هذه الدنيا قبل أيام قليلة بعد صراع مع المرض.
جاء في تدوينة الكتاني “هلك الصحفي جمال براوي الذي استخدم قلمه لمحاربة الإسلام والمسلمين في المغرب ومحاربة الفضيلة…”، بمعنى أن الشيخ يتهم الراحل بأنه كان يحارب الإسلام والمسلمين كما كان يحارب الفضيلة في هذا البلد، وهذه تهمة كبيرة في حق شخص لم تعد له الآن القدرة على الرد على هذه التهم، وهذا السلوك من الشيخ لا يقدم عليه إلا الجبناء.
طيب، لنتجاوز هذا، ونفحص كلام الكتاني في حق الراحل، فهل كان براوي يحارب فعلا الإسلام والمسلمين كما ادّعى الكتاني، أم كان يحارب الإرهاب ويفضحه بقلمه ولسانه؟ هل كان يحارب الفضيلة أم كان يحارب “إرضاع الكبير”، و”ممارسة الجنس على الجثث” و “المساعدة على القذف” وغيرها من الترهات؟ فهل كان الراحل يحارب الإسلام والمسلمين أم كان يكتب فاضحا من يعتبرون أنفسهم وكلاء الله في أرضه.
قبل قرن من الزمن أصدر الأديب اللبناني جبران خليل جبران كتابه “العواصف”، وفيه قصة معبرة عنوانها “الشيطان”، في القصة يعود الكاهن “سمعان” من إحدى مواعظه في القرية، ويسمع على قارعة الطريق أنين رجل يتألم، وعندما اقترب منه، ناشده الرجل أن ينقذه ويسعفه في النهوض ومداواة جراحه، لكن الكاهن تردد في الأول مخافة أن يكون الجريح احد اللصوص أصيب في محاولة سرقة أموال الغير، أو قاطع طريق أصيب في إحدى غاراته، لكن الرجل ألحّ على الكاهن أن يدنو منه، قائلا له لا تخف أنا لست لصا ولا قاطع طريق، أنا صديق قديم لك تعرفني جيدا وأنا أعرفك أيها الكاهن، حينها ازداد فضول الكاهن لمعرفة هوية الشخص الذي يناديه هكذا، وبعد حوار بين الاثنين كشف الرجل الجريح للكاهن عن هويته؛ إنه الشيطان لقد تعرض لإصابة مميتة، وإذا لم يتم الإسراع في إسعافه فسيكون مصيره الهلاك، تحدث الرجل الجريح للكاهن عن أهمية وجود الشيطان بالنسبة لعمل الكاهن، فإذا مات الشيطان لم يعد للكاهن ورجل الدين أي دور، سيفقد أسباب وجوده، ولن يعود لدوره أي فائدة في المجتمع، ومن ثمة سيفقد عمله وتبور تجارته ويكسد رزقه، فلولا الشيطان ما عاش الكهنة والقساوسة ورجال الدين، أنهم يشيّدون أعمالهم ومواعظهم على محاربة الشيطان، فإذا مات، لم يعد لهم ما يفعلونه. حينها قام الكاهن وحمل الشيطان الجريح على ظهره لمسافة طويلة إلى أن وصل به إلى منزله، ويظل يرتّق جروحه ويعتني به لكي يسترجع الشيطان صحته الكاملة، ويتجنب الكاهن معضلة موت الشيطان التي ستقضي على عمله.
إن رجل الدين هو بالضرورة في حاجة وجودية للشيطان، لا وجود لرجل الدين بدون شيطان، والكاهن سمعان ليس وحده بل كل كهان الدنيا هم مثله، وسمعان المغرب/الشيخ الكتاني هو أيضا مثله، عليه أن يجد الشيطان، ويلعنه أمام الناس حتى تزكو أعماله وتنمو تجارته، فلابأس إن تلبّس الشيطان شخصية الصحفي جمال البراوي هذه المرة، وفي المرات القادمة قد يتلبّس شخصيات أناس آخرين، المهم أن يظل الشيطان مصونا، حتى يظل رجل الدين موجودا، ينمي تجارته ويحفظها من الكساد والبوار.
الحقيقة أن قصة هؤلاء الناس مع التشفي في الموتى قصة قديمة ومتواترة، وليست مستحدثة ولا من باب المصادفة فقط، فالشيخ الكتاني الذي تشفى في وفاة براوي، سبق لمحبيه وأشياعه أن حرّموا الترحم على الصحافية الفلسطينية “شيرين أبو عقلة” اثر استشهادها على يد قوات الاحتلال بمبرر أنها ذمّية غير مسلمة؟؟ لقد تركوا وتغاظوا عن كل شيء، من إدانة الاغتيال إلى سكوت العالم على هذه الجرائم، ولم يجدوا ما يثيرون به النقع غير “عدم جواز الترحم على الصحافية الشهيدة”؟
إن هؤلاء الأشخاص الذين يصدرون فتاوى التحريم وصكوك الاتهام بخفة لا تُحتمل، يعتقدون في قرارة أنفسهم أنهم يمتلكون مفاتيح الجنة، بما يسمح لهم أن يترحموا على هذا دون ذاك، وأن يصدروا صكوك الاتهام ضد من شاءوا، ويعتقدون أن “ملك الموت” وزير الداخلية لديهم، يحرضونه على هذا، ويلتمسون لديه العذر لأخر، فهاهو الشيخ “سمعان المغرب” ينطّ من تحت جلبابه ليحرض وزير داخلية الآخرة/ملك الموت على جمال براوي انتقاما منه بسبب خصومات شخصية بينه وبين الصحافي.
وبين هذا وذاك يبقى السؤال المعلق: إلى متى سيظل الشيخ “سمعان” يظن نفسه بوّاب الجنة والنار، يوزع بينهما الناس حسب هواه وحقده وأمراضه الدفينة الميؤوس من الشفاء منها؟



