آراء

جمال الكتابي يكتب: بين الذهب واللهب..حكاية رجال الزرق

التقينا الصيف الماضي..كان يتحدث بهدوء وبأسلوب راق يختلف عن أسلوب بعض الافارقة، المتميز بالتهور أو تمجيد للذات، وحتى خصومه أو أعداؤه كان يتحدث عنهم بلغة خالية من السب والقذف.
صار زعيما وقائدا لحركة تحرير أزواد وهو مازال في ريعان شبابه، تم تعيينه بالإجماع ليقود سفينة هذا الشعب إلى بر الآمان في مجتمع يتميز بالتعدد الاثني والقبلي.
أثناء حديثه، وانا استمع إليه وأحدق في وجهه، استرجعت معه التاريخ الكفاحي لشعب الطوارق العظيم. هذا الشعب الامازيغي القادم من جنوب الصحراء والساحل بقي عصي عن الاستعمار بكل أنواعه. انطلق مبكرا وقبل قرنينن في مقاومة التغلغل الفرنسي في مالي منذ دخول المستكشف الفرنسي الأول غوني لاكايي في أواسط القرن 19.
وعندما تصفحت بعض لوائح المدانين في غويانا كان الطوارق ضمن الأوائل الذين افتتحت بهم فرنسا هذه الزنازن. سألت باحثة ( رايسة) في سلك الدكتورة التقيتها في كييان( عاصمة غويانا) عن الدوافع التي جعلتها تشتغل ( الاطروحة) عن المدانين من جنوب الصحراء ومالي خاصة، كان جوابها لأنهم شكلوا الطلائع الأولى لسجون غويانا الذين استقدمتهم فرنسا إليها. أغلبهم قضوا في هذه الزنازن بسبب الرطوبة والأعمال الشاقة في غابات الأمازون. بل وصل بفرنسا أن رمت بمترجم سوري في سجون غويانا، استقدمته من سوريا للترجمة عن الأهالي في أزواد، بتهمة استغلال مهنته لتمرير أفكار عن حقوق الأزواد. كما تم تجنيد الكثير منهم في الحروب العالمية وحرب الريف والهند الصينية.
فرنسا حاولت طمس وإبادة هذا الشعب من خلال ضربه بكل أنواع الأسلحة، من بينها المحرمة دوليا، لكنه بقي صامدا على أرضه رغم قساوة الطبيعة والصحراء القاحلة؛ بقي متشبثا بلغته وهويته وعصي على الانحناء إلى اليوم.
هذا البلد (مالي) ينتج 65 طن من الذهب سنويا، ناهيك عن الثروات الطبيعية الأخرى. رغم هذه الثروات الهائلة بقيت منطقة أزواد مهمشة ومقصية من كل تنمية. بسبب هذه الأوضاع كان هذا الشعب ينتفض كل مرة منذ 1962 بشكل سلمي حتى انقضى صبره، وقرر منذ 2009 ( الانتفاضة الثالثة) إلى حمل السلاح وتنظيم جميع القوى في إطار الحركة الوطنية الأزوادية لتحرير أزواد التي انتخب على رأسها الشاب بلال أغ الشريف.
إنه المجاهد بلال أغ الشريف، القائد العام لقوات الحركة الوطنية الأزوادية، التقينا بهولندا الصيف الماضي، كانت زيارة استشفاء ومشورة خاطفة. على ذكر الاستشفاء فوجئت أن أصادف معه شخص يسهر على علاجه وهو من مسقط رأسي ( تليوين). لما سألته هل هي صدفة أم اختيار، أجاب ضاحكا إنه اختيار نظر للثقة التي جمعته بالمغاربة عموما وأهل الريف خاصة، وأضاف أن الأمر تعدى ذلك إلى المساندة والدعم المعنوي من أطر عدة من أهل الريف. فضلا عن أنه يكن كل الاحترام للمغرب.
الشاب بلال أغ الشريف ذو رؤية سياسية واضحة وواقعية لحل مشكلة أزواد، مع استعماله منطق “كبرها تصغر” بعض الأحيان في إطار التكتيك والاستراتيجيا. فعندما أعلنوا سنة 2012 عن استقلال أزواد عن جمهورية مالي في مدينة غاو، تسارعت كل دول الجوار والأمم المتحدة والاتحاد الأوربي والاتحاد الافريقي إلى تطويق المشكل والبحث عن الحوار مع القائد بلال أغ الشريف. حتى صار هذا الأخير عملة نادرة في تلك المرحلة.
من ضمن الذين استنكروا وأدانوا هذه الخطوة كان هو سعد الدين العثماني بصفته وزيرا للخارجية آنذاك. مصائب هذا الرجل وهذا الحزب لا تنتهي. فمع سقوط كيدال ثاني أكبر مدن مالي في يد الثوار، تدخلت فرنسا عسكريا لحماية النظام، وكما أرسلت الأمم المتحدة قبعات الزرق لحفظ السلام، مع تعيينها للديبلوماسي الهولندي بيرت كوندرس ممثلا للامين العام في مالي.
هذه الأطراف كلها اشترطت ( طرحت) على بلال حل المشكل في إطار الحكم الذاتي بدل الاستقلال. لقد قبل هذا الحل على مضض بشرط صياغة مشروع في مستوى طموح شعب أزواد. انطلق العمل مع اتخاذ الجزائر مكانا للحوار وصياغة هذا المشروع. في سياق هذا المسار الذي لم يخلوا من دسائس وتآمر بعض دول الجوار، وقع ما لم يكن في الحسبان وهو حدوث انقلاب عسكري بقيادة العقيد أسيمي غويتا سنة 2020. هذا الأخير تنكر لكل هذه الاتفاقات مع مطالبته الأمم المتحدة وفرنسا بالانسحاب فورا.
بالمقابل، تعاقد ( النظام) مع قوات الفاغنر الروسية وكذا استقدام قوات داعش من ليبيا وبعض دول الجوار. هذه القوات أقدمت على ارتكاب جرائم رهيبة ضد المدنيين في كيدال وغاو، مما دفع بقوات بلال أغ الشريف الانسحاب وإعادة الانتشار في المناطق المجاورة.
هذا الوضع دفع بلال ورفاقه إلى التفكير مليا في الخطوة القادمة بعدما فشل المنتظم الافريقي والاممي والاوربي في حل هذا المشكل ولو على قاعدة الحكم الذاتي. وقبل إقدام بلال على الخطوة التالية ارتأى التشاور مع كل الأطراف ووضعهم على المحك أمام مسؤولياتهم. ومن بين الذين جلس معهم بلال خلال زيارته الأخيرة هو الممثل السابق للأمم المتحدة لدى مالي الهولندي السيد كوندرس.
أمام تعنت النظام العسكري في مالي وتقاعس الأسرة الدولية في إيجاد حل للمشكل، انعقد مؤتمر عام لكل الفصائل المسلحة بمدينة تينزواتين بأزواد أيام 25 و26 نوفمبر الماضي، ليعلنوا اندماج كل الفصائل المسلحة ( الحركة الوطنية لتحرير أزواد، مجموعة أمغاد، المجلس الأعلى لوحدة أزواد، الحركة العربية لأزواد..) في إطار جبهة عريضة اسمها:” جبهة تحرير أزواد” تحت قيادة عسكرية وسياسية واحدة مع اختيار المجاهد بلال أغ الشريف قائدا عام لهذه الجبهة. مع إعلانهم لهذه الخطوة رجعت قضية أزواد إلى المربع الأول: التحرير والاستقلال، بل مباشرة بعد إعلانهم لهذه الخطوة حققوا تقدما عسكريا واضحا على الأرض.
يقول بلال كان بإمكان التوصل إلى اتفاق حول تحقيق الحكم الذاتي بمجرد توقيع على خطة السلام بينهم وبين النظام بإشراف الأمم المتحدة، لكن بسبب الانقلاب وتماطل وتآمر بعض دول تم تفويت هذه الفرصة.

آخر الكلام:

هذه المحاولة هي عبارة عن ملخص بسيط لمسار شعب أزواد، ومن داخله الطوارق أو رجال الزرق. كفاحهم يندرج في إطار تحرير القارة الافريقية من الاستعمار وأذنابه، وهو هدف نبيل يسعى إلى تحقيقه كل الافارقة الاحرار. لذا فهؤلاء الابطال يستحقون منا كل الدعم…من عاهد وفى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى