هل يُنقذ الاستمطار الاصطناعي المغرب من الجفاف؟

“هناك دائما أمل في أن ينجح العلم في تدارك الأزمات الناتجة عن تقلبات الطبيعة وشُح الامطار. وقد جرى تعميم تقنية تلقيح السحاب في أكثر مناطق العالم التي كانت تعاني من الجفاف، وحققت نتائج مبهرة بهذا الخصوص، خصوصا مع التكنولوجيا المتطورة التي يتم اعتمادها منذ 2005، والتي تقوم على استخدام مجسات خاصة، تمكن من التعامل مع أنواع السحاب باختلاف كثافتها والتحديات المناخية المحيطة بها، لإعطاء النتائج المرجوة، في أي مكان جغرافي، حتى في أكثر الأجواء والعوامل المناخية قساوة”.
بهذه الكلمات واجه العالم د. ستيف كابرييل، مئات الصحافيين سنة 2018 في المؤتمر الذي أعلن فيه عن تبني تكنولوجيا جديدة في تتبع حركة السحب في أكثر الدول معاناة من الجفاف منذ 2007.
التقرير الذي تلاه هذا العالم الأمريكي، كشف إلى أي حد غيّرت تقنية “الاستمطار” و”تلقيح السحب”، معالم خريطة الجفاف.
استعدادات على قدم وساق
“يوديد الفضة” مركب كيماوي عديم الرائحة، يأتي على شكل بلورات صفراء. هذه المادة، من المكونات الأساسية المستعملة في عملية التلقيح الصناعي للسحب.
تستعمل مع مواد أخرى في عملية معقدة لتلقيح السحب صناعيا باستعمال الطائرات.
على قمم الجبال، تجري الآن آخر الاستعدادات لوضع كل مستلزمات تلقيح السحب صناعيا، للموسم الحالي، خصوصا أن هذا العام، بحسب آخر التصريحات الرسمية، سوف يكون استثنائيا.
برنامج الغيث
آخر الأرقام الرسمية عندنا في المغرب، تفيد أن أزيد من 121 عملية تلقيح للسحب، جرت في سماء المغرب ما بين سنوات 2017 و2021.
هذا ما أعلنه نزار بركة، وزير التجهيز والماء، في آخر تصريح له، جوابا على سؤال كتابي في البرلمان منتصف الأسبوع الماضي.
لكن هل فعلا كانت عمليات تلقيح السحب في هذه السنوات ناجعة؟ خصوصا أن البلاد، بحسب التقارير الرسمية التي أعلنتها الحكومة، تمر حاليا بموجة جفاف ونقص حاد في التساقطات وتراجع مهول في حمولة السدود في مختلف جهات المملكة.
المديرية العامة للأرصاد الجوية، أعلنت توسيع نطاق تنفيذ برنامج “الغيث” الهادف إلى تلقيح السحب لتحفيز هطول الأمطار، ليشمل مناطق أخرى بالإضافة إلى المناطق التي نُفذ فيها البرنامج في السنوات الأخيرة.
27 عملية تلقيح صناعي للسحب جرت بين فاتح نونبر 2021 والعاشر من أبريل 2022، لإنقاذ موسم الأمطار قبل عامين، بينما نُفذت 22 عملية أخرى ما بين نونبر 2022 وأبريل 2023.
الأرقام التي أعلنتها مديرية الأرصاد الجوية، تبقى غير مرضية، بحسب مصادر تحدثنا إليها.
هذه المصادر علقت على أرقام المديرية، بالقول: “إذا أردنا أن نكون واضحين، فلا بد من الاعتراف أن توزيع عملية الغيث خلال السنوات العشر الأخيرة كان غير مدروس بعناية”.
وأضاف المصدر ذاته “وهذا خطأ يتحمله المشرفون على العملية، بحكم أن جل المناطق التي تفاقم فيها مشكل الجفاف خلال السنوات العشر الأخيرة، بقيت تعاني من شح الأمطار، وانعدامها أحيانا في مواسم متلاحقة، ظلت خارج اهتمام المشرفين على عملية تلقيح السحب، ولم يتم إدراج أي من المناطق التي أعلن فيها رسميا عن أزمة مياه خانقة جراء انعدام التساقطات المطرية”.
عملية توسيع نطاق تلقيح السحب في إطار برنامج “الغيث”، لقيت استحسانا كبيرا، وسط ترقب كبير مما سوف ينتهي إليه موسم التساقطات المطرية، خصوصا مع سيول منطقة ورززات وطاطا التي خلفت خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات.
أول قطرة!
عندما أطلقت أول دراسة في المغرب للتأكد مما إن كان تلقيح السحب سيؤتي النتائج المرجوة منه، كانت الآمال معلقة إلى السماء في انتظار المطر.
حدث هذا سنة 1984، وسرعان ما تأكد أن عملية تلقيح السحب في المغرب سوف يكون لها مستقبل، وهو ما تم فعلا في السنوات ما بين 1984 و1989.
لكن المصدر الذي تحدث إلينا أكد أن العملية لم تفعل بالصورة المرجوة إلا في سنة 1996: “أول منطقة استفادت من التلقيح الصناعي للسحب، هي المنطقة المحيطة بوادي أم الربيع، وذلك للرفع من حمولته وتجاوز تأثير الجفاف الحاد الذي عرفه المغرب قبل أربعة عقود، واستعملت الطائرات الخفيفة التي حلقت فوق السحب وباشرت عملية التلقيح التي استمرت لعدة أيام خلال ساعات متواصلة. التلقيح تم باستعمال المواد الموصى بها عالميا، وبعد الاستعانة بمتخصصين”.
تجدر الإشارة إلى أن عملية التلقيح تبدأ دائما، بحسب المعايير العلمية والتقنية المُعتمدة، في الفترة ما بين شهر نونبر وأبريل من كل سنة، لإعطاء النتائج المرجوة.
هل نحن جاهزون لتوسيع البرنامج؟
السيول التي دمرت البنيات التحتية في طاطا وورززات، تطرح بشدة سؤالا عن جاهزية المناطق التي يستهدفها برنامج تلقيح السحب لأول مرة، وقدرة بنياتها التحتية على تحمل الأمطار الغزيرة التي قد تنتج عن عملية التلقيح.
إذ من المنتظر أن تشهد المناطق المستفيدة، تساقطات مطرية مهمة، في أقاليم تخيم عليها الهشاشة، خصوصا في القرى والدواوير في الأطلسين الكبير والمتوسط.
مديرية الأرصاد الجوية تقول إن السيول الأخيرة التي عرفتها طاطا وورززات وإقليم تارودانت، ليست بسبب “الاستمطار” أو “تلقيح السحب”، لكنها لم تنف حتى الآن أن المنطقة سوف تصبح مهددة أكثر بعد تنفيذه في غضون الأسابيع والأشهر المقبلة.
الأمطار العاصفية التي صدرت بشأنها نشرة إنذارية بداية شهر شتنبر، تسببت في أضرار كارثية في دواوير منطقة طاطا وورززات وإقليم تارودانت، ودمرت بعض القناطر التي يمر عبرها واد سوس، وصولا إلى مصبه في أگادير، وكلها مناطق أعلنت فيها السلطات عن درجة التأهب بعد تسجيل وفيات ومفقودين.
فهل هذه المناطق مستعدة لنتائج تلقيح السحب؟ خصوصا أن المنطقة الحدودية بين إقليمي الحوز وتارودانت، التي دمرها زلزال الثامن من شتنبر 2023، مازالت تعيش واقعا هشا بدون بنيات تحتية ولا مراكز مناسبة لإيواء آلاف المتضررين من الزلزال والذين ينتظرون دورهم للاستفادة من السكن.
ومن شأن التساقطات المطرية أن تسبب لهم أضرار إضافية. وتضيف المصادر نفسها التي تحدثنا إليها بالقول: “فما بالك إذا تم فعلا، وإذا جرت عملية تلقيح السحب بنجاح وازدادت وتيرة التساقطات في هذه المناطق.
صحيح أن حقينة سد أولوز و”أوزيوة” من شأنها أن تشهد انتعاشا كبيرا قد يزيل حالة التخوف من الجفاف، لكنها في نفس الوقت من شأنها أن تفاقم معاناة آلاف الأسر من ضحايا الزلزال”.
عام استثنائي وتحديات على الأرض
تم الإعلان حتى الآن عن الخطوط العريضة لمخطط تلقيح السحب لهذه السنة، والذي تقرر أنه سوف يمتد طوال العام.
هذه أول مرة يتم فيها تمديد فترة تلقيح السحب، وذلك لتحفيز الاستمطار في رقعة جغرافية أكبر.
مديرية الأرصاد حاولت طمأنة المواطنين بالقول، في بلاغ رسمي، إن تلقيح السحب سوف يعتمد تقنيات حديثة، وسوف تتم في إطار تعاون دولي ينظم العملية في كل دول العالم، وسوف يتم اعتماد الطائرات والمولدات الأرضية أيضا لضمان تحقيق النتائج المرجوة.
يتوفر المغرب على 20 موقعا أرضيا يحتوي على مولدات أرضية ثابتة لتلقيح السحب، وهي موزعة على ثلاثة مناطق، هي بني ملال وأزيلال والحاجب، نظرا لتوفر هذه المواقع على المؤهلات الجغرافية الضرورية لتحقيق النتائج المرجوة من هذه المولدات.
كل ذلك، بالإضافة إلى ثلاث مولدات متنقلة مخصصة للاستعمال في حالة الطوارئ، وتنقل باستعمال شاحنات خاصة وفرق من المهندسين لتركيبها في المناطق المستهدفة.
محدودية انتشار المولدات الأرضية المعتمدة عالميا في عملية تلقيح السحب، يوازيها توفير الطائرات الحاملة للقاح الصناعي لتلقيح السحب، ما يزيد من توسيع حظوظ تحقيق النتائج المنتظرة.
كل سنة، يُطرح إشكال تقني، يتعلق بالآثار الجانبية لعملية التلقيح الصناعي للسحب وما إن كان اللقاح يتضمن مواد كيماوية.
الدكتور ستيف كابرييل، يجيب عن هذا السؤال، في مقال علمي له نُشر بدورية “ساينس أكاديمي” المرموقة سنة 2021، قائلا: “هناك جهات كثيرة تهاجم عملية تلقيح السحب والاستمطار الصناعي المعتمد. وهنا تجب الإشارة إلى أن المواد المكونة للقاح لا تدخل عليها أي تأثيرات من شأنها أن تسبب أضرارا للإنسان أو للطبيعة. اللقاح المستعمل عرف تطويرا كبيرا منذ سبعينات القرن الماضي عندما اعتمد في أمريكا، ومازالت هناك أبحاث ودراسات لزيادة خصوبة اللقاح عندما يتفاعل مع مكونات السحب. أما التخوف بشأن احتواء اللقاح على مكونات خطيرة على الطبيعة أو الكائنات الحية، فليس له أي أساس علمي”.




