جورج عبد الله ..أنا مقاومٌ ولستُ مجرماً

في قلب السجون الفرنسية يقبع مناضل بملامح وجه قادم من زمن ثوار السبعينات، عيون حادة تخترق جدار الصمت المضروب عليه، ولحية مخضبة بالبياض، بهذه الهيأة اعتاد جورج عبد الله أن يطل أثناء جلسات محاكمته التي لا تنتهي، راسما شارة النصر التي لم يكلّ من رفعها على مدار 40 سنة من الاعتقال.
الرجل الذي أصبح رمزًا عالميًا للمقاومة، في الثالثة والسبعين من عمره، و بإرادة فولاذية لا تعرف الخضوع، ما زال يُسطر فصولًا من النضال ضد الاستعمار والإمبريالية، تاركًا بصمته في وجدان الأحرار حول العالم.
جورج ولد مناضلا!
ولد جورج إبراهيم عبد الله عام 1951 في بلدة القبيات بمحافظة عكار شمال لبنان، في كنف عائلة مسيحية مارونية متواضعة تعمل في الزراعة.
نشأ جورج في ظل واقع سياسي مضطرب، حيث شهد لبنان في ذلك الوقت انقسامات طائفية وصراعات داخلية متزايدة. كان لهذه البيئة دورا محوريا في تشكيل وعيه السياسي المبكر.
التحق عبد الله بالمدرسة الرسمية، وأظهر منذ صغره ميولًا نحو العدالة الاجتماعية ومواجهة الظلم والنضال من أجل غد أفضل وتخرج منها مدرّسا، ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، انخرط في صفوف الحركة الوطنية اللبنانية، ثم بعد ذلك انضم إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي وجدها تعبر عن توجهاته اليسارية والقومية المناهضة للاستعمار، وأصيب سنة 1978 اثناء الاجتياح الجزئي من طرف الجيش الإسرائيلي لحنوب لبنان، وفي سنة 1979 قاد منظمة “الفصائل المسلحة الثورية اللبنانية” التي تبنت حرب العصابات في المدن.
مع تفاقم الغزو الإسرائيلي للبنان في بداية الثمانينيات، بدأ جورج عبد الله نشاطه النضالي يتخذ طابعًا أكثر جرأة. بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، الذي شهد مذبحة صبرا وشاتيلا، ازدادت قناعته بضرورة التصدي لكل أشكال الإمبريالية، ليس فقط في لبنان، ولكن في جميع أنحاء العالم.
انتقل عبد الله إلى أوروبا، حيث ربط علاقات مع منظمات ثورية عالمية منها الالوية الحمراء في ايطاليا ومنظمة الدفاع البروليتاري في فرنسا والجيش السري لتحرير أرمينيا وغيرها.
الإعتقال في فرنسا
وفي 24 أكتوبر 1984، بينما كان عبد الله يقيم في سويسرا انتقل إلى ليون الفرنسية لتسليم وديعة شقة استأجرها، اعتقلته الشرطة الفرنسية بتهمة تزوير الوثائق، لأنه كان يحمل وثيقة هوية مزورة، وتم الكشف من بعد أنه قُبيل الاعتقال كانت تتعقبه مجموعة تنتمي إلى الموساد الاسرائيلي في محاولة اغتياله، وحُكم عليه بالسجن أربع سنوات، إلا أن الحكم تغير لاحقا إلى السجن المؤبد سنة 1987 بتهمة “التواطؤ في أعمال إرهابية” تتمثل في اغتيال الملحق العسكري الأميركي تشارلز راي والدبلوماسي الإسرائيلي ياكوف بارسيمانتوف، رغم عدم وجود أدلة قاطعة تدينه، وهو الأمر الذي جعل أنصاره والعديد من الحقوقيين يعتبرون محاكمته سياسية.
خلال محاكمته، أكد جورج عبد الله أنه ناضل من أجل حرية الشعوب المستعمَرة، ولم ينكر انتماءه للحركات الثورية والمناهضة للإمبريالية. وصرخ في وجه المحكمة قائلا: “أنا مقاومٌ ولست مجرماً”.
وبعدها رفضت السلطات الفرنسية بضغط من إسرائيل والولايات المتحدة الامريكية جميع طلبات الإفراج المشروط عنه، رغم أنه استوفى الشروط القانونية لذلك منذ عام 1999.
شيخ المناضلين على درب الشيوعية
أحد أبرز الجوانب في شخصية عبد الله هو تصميمه على مواصلة الكفاح من داخل زنزانته. لم يتخلَّ عن مبادئه، بل استمر في الكتابة والتواصل مع الحركات التحررية، مؤكدًا أن السجن لا يمكن أن يقيد الفكر أو يكسر الإرادة، مردّدا باستمرار: “لقد اصبحت شيوعيا في سنة التاسعة عشر ومازلت كذلك”.
و بعد أربعة عقود أمضاها خلف أسوار السجون في فرنسا، أصدرت محكمة فرنسية يوم الجمعة 15 نونبر الجاري قرارًا بالموافقة على الإفراج المشروط عن المناضل اللبناني جورج إبراهيم عبد الله، البالغ من العمر 73 عاما. بينما أعلنت النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب عزمها استئناف الحكم




