المجتمع

افتتاحية..الرميد المتعدد

عندما نتحدث عن “الرميد المتعدد”، فلا نقصد تعدد الزوجات كما قد يظن البعض، فهذه القضية كانت ولا تزال من الثوابت الواضحة في تفكير وزير العدل السابق، وخاض من أجلها معارك متعددة الجبهات في سياق إقرار مدونة الأسرة.

ولا حاجة اليوم للتذكير بدوره في الحشد والتعبئة للمسيرة الوطنية بالدار البيضاء، المناوئة لمسيرة الرباط، في سياق إقرار الخطة الوطنية لإدماج المرأة، حيث كان من الذين جعل من موضوع مثل هذا “حصان طروادة”، الذي ركب عليه لتعزيز موقفه.

بل نحن نتحدث عن تعدد الأدوار والمواقف التي لعبها الرميد منذ بداية رحلته السياسية، حيث أثبت نفسه كممثل بارع في مختلف المشاهد السياسية، ما يجعله شخصاً متعدد الأدوار بامتياز.

منذ بروز الرميد على الساحة السياسية، كانت رحلته مليئة بالأدوار المتناقضة والمثيرة. بدأ مسيرته بالاندماج العميق في التنظيمات الإسلامية بالجامعة، حيث كان يواجه بشراسة التيارات الاشتراكية والماركسية، مدفوعاً بفكر إخواني استلهمه من كراسات وكتب قادمة من الشرق الوهابي. ومع مرور الوقت، تسلل إلى صفوف الشبيبة الإسلامية، حيث اشتعل صراع دراماتيكي مع مؤسسها عبد الكريم مطيع. في هذه المرحلة، صعد الرميد إلى مستوى جديد من التحدي، مُلحًّا على مطيع ابداء الموقف الواضح من مواجهة النظام القائم.

الرميد المتعدد سيبرز بعد تجربة التحاق إخوان المغرب بحزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية، الذي كان يرأسه الراحل عبد الكريم الخطيب، بعد فشل خيار بن كيران المتمثل في استجداء البصري بالسماح لهم بتأسيس حزب سياسي، حيث كان وزير الداخلية السابق ميال إلى خيار “الرميد” بالاندماج في الحزب الذي سيتحول لاحقا نهاية الالفية الثانية إلى حزب العدالة والتنمية.

ولا حاجة أيضا للتذكير بمهام بعث المجاهدين الأفغان والذين انقسموا إلى صنفين مجاهدين في سياق حركة التجنيد في العالم الإسلامي ضد الاتحاد السوفياتي، وصنف المجاهدين المخبرين.

في هذه الفترة بالتحديد سيتعاظم دور الرميد المتعدد من خلال تعزيز العلاقة مع الرجل القوي في الداخلية، ليكون قناة الوصل مع الاخوان والداخلية، والذي كان هدفه أيضا التأهب لمواجهة كل ما من شأنه أن يدفع في اتجاه تعاظم دور الاتحاديين.

في العهد الجديد، وبعد الخيارات الملحة التي اتخذها النظام، والتي كان من ضمنها إبعاد “رجل العهد البائد”، ادريس البصري، وجد الرميد المتعدد نفسه بدون مهام، وكل المبادرات التي تلت هذه المرحلة لم يجد فيها الرجل المتعدد نفسه، سواء تعلق الأمر بهيئة الانصاف والمصالحة، أو تعديل مدونة الأسرة، وهو ما فهم معه أن دوره لم يعد قائما فانطلق في تجريب أدوار مختلفة وهذه المرة من منطلق “الصعود إلى الجبل”.

“تمرد” الرميد كان واضحا من خلال موقفه من أحداث الحادي عشر من شتنبر في الولايات المتحدة الأمريكية، وبعدها من أحداث 16 ماي بالدارالبيضاء، والموقف في هذه الأحداث الاخيرة، كان سببا في سياق بحثه عن حقيبة وزارية مع حكومة عبد الإله بن كيران الأولى، في تقديم رسالة اعتذار إلى الملك.

في 2009 قدم الرميد نفسه “صقر” العدالة والتنمية الذي يواجه بنية الدولة العميقة، والتي كان يمكن في اعتبار حزب الأصالة والمعاصرة ورموزه، من تمظهراتها، ولا حاجة اليوم للتذكير بالصور والمواقف التي أبداها في سياق الانتخابات التي جرت في نفس السنة، وهي كلها تؤكد بأن الرجل كان يحاول استعادة دوره المتعدد في المشهد السياسي والحزبي.

ذرة الأدوار الجديدة بعد العهد الجديد، ستبرز مع ما سمي بـ”الربيع العربي”، حينها اختار أن يتبادل أو يتقاسم الأدوار مع عبد الاله بن كيران، ففي الوقت الذي وجه الأخير قواعد الحزب بعدم التفاعل مع دعوات الإحتجاج في الشارع التي أطلقتها حركة 20 فبراير، اختار الرميد النزول الى الشارع ورفع شعارات تنادي بالملكية البرلمانية ومواجهة الدولة العميقة.

والواقع أن الرياح التي حملت “إخوان المغرب”، إلى السلطة، ساهمت بشكل كبير في وضع قدم الرميد في مربع التدبير الحكومي، فكان نصيبه حقيبة العدل، وهناك سيدرك الجميع أن أدوار الرميد المتعددة لم تكن في الواقع أدوار من أجل الدفاع عن الخيار “الديمقراطي” ومواجهة الدولة العميقة بقدر ما كان طموحا شخصيا تحقق أخيرا.

هنا انتبه الرميد الى أنه جنى على نفسه بممارسة الأدوار المتعددة، فحاول مرة أخرى أن يجمع بين “شرف المعارضة وحلاوة السلطة” من خلال المواقف التي كان يعبرها عنها من الفرقاء المشاركين في السلطة وحتى من خارج السلطة ومن المؤسسات، وتسبب ذلك في قطيعة مع اقرب المقربين اليه بن كيران الذين كان يتبادل معه الأدوار.

بعد نتائج انتخابات 2021،  وجد نفسه على هامش الهامش ظهر ” المتعدد ” وفق تعبير الكاتب والأديب عبد القادر الشاوي في إحدى مقالاته، محاولا استعادة دوره في ممارسة ” التعدد ” حيث قدم نفسه إلى “أهل الحل و العقد” محاولا إيهامهم  بامكانية لعبه لأدوار معينة، مقابل اكراميات كمدرسة عليا هنا وأشياء أخرى هناك وهو القادر على إقناع البعض بطلب العفو مثلا.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل الرميد يسع لاستعادة هذه “الممارسة”، انطلاقا من رغبة شخصية أم بايعاز من جهة ما تحن إلى استنبات واستعادة وضع “ادريس البصري”، الوضع الذي يتقن فيه الرميد ممارسة “الأدوار المتعددة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى